الوطن: قضية حقيقية أم وسيلة لإخضاع الناس باسم الانتماء؟
تولد في مكانٍ ما، وفجأة يصبح لديك “نحن” و”هم”.
جماعةٌ عليك أن تدافع عنها مهما حدث، وأخرى يُقدَّم لك وجودها بوصفه تهديدًا لوجودك.
الغريب أن هذه الجماعة لا تبقى ثابتة؛ تتمدّد وتتقلّص بحسب السياق:
ابن بلدك عدوّ في الأيام العادية، أخوك إن دخل جار البلد في القضية، وجارك أخوك إن كان العدو أبعد. وأحيانًا تعبر الأخوّة المسافات الجغرافية مهتدية باللغة، وفي سياقات أخرى تجمعك بالآخر الصلوات. وقد تنقلب المعادلة رأسًا على عقب بلا حرج.
نتغنّى بالوطن حينًا، وبالجوار حينًا، وبالعرق حينًا آخر، ونبدّل جلد الانتماء كما نبدّل خطابنا. تحتمي الجماعات تحت أغطية جامعة تتعدد بين القومية والوطنية، وتمتد لتشمل أيديولوجيات كالرأسمالية والشيوعية، وصولًا إلى الطوائف والأديان.
هذا التقلّب لا يكشف هشاشة الانتماء فحسب، بل يطرح أسئلة مقلقة:
هل الانتماء وهمٌ نحتمي به خشية الزوال؟
وهل الوطن قضية حقيقية، أم سردية نتقن ترديدها؟
وهم الانتماء:
الإنسان، بفرديته، يرتكز على الجماعة؛ لا جينيًا بقدر ما يكون ذلك عاطفيًا ووجوديًا.
ابن منطقتك يعرف لغتك، يفهم مزحاتك، شاركك الطقس، الأرض، الهمّ، والصعوبات الجيوسياسية والثقافية، بل وحتى الدين ومنشأ العقلية في أحيان كثيرة.
ومع تضاعف التشابهات، يتضاعف الشعور بالانتماء، بالالتحام، وبالاستعداد للذوبان في قالبٍ جامع.
ومن هنا تتشكّل قوالب شاملة: قبيلة، وطن، أمة…
هذه القوالب تنتظم كـ ماتريوشكا؛ من الأقرب إلى الأبعد.
فمن الخارج نرى أكبر دمية، وربما تكون الإنسانية، لكن مع تعرية كل اختلاف تظهر دمى أصغر، تُقصى منها الصفات الشاملة، وتُبنى على أخرى أكثر فرعية، وصولًا إلى أصغر دائرة.
الهوية ليست وحدة صلبة، بل طبقات متغيّرة، ينتقل بينها الفرد بحسب السياق.
ونزعة الانتماء غريزة طبيعية؛ حيث يميل الإنسان إلى من يشبهه أكثر، لا بدافع أخلاقي، ولا كرهًا أو حبًا واعيًا لكيان دون آخر، بل لأنه يرى هناك أمانًا أكبر وضمانًا أعلى للاستمرار والبقاء.
لكن الانتماء، رغم ذلك، ليس حاجةً رومانسية خالصة، بل بناءٌ مشروط بالخطاب أكثر مما هو نابع من قناعة راسخة.
ومع تسييسه وتنظيمه في أسطر تخدم جماعة دون أخرى، تظهر النظرة العدائية التي تفصل بين:
“نحن” و”هم”،
“الخير” و”الشر”،
“الصديق” و”العدو”.
ومن ملاحظاتي، أرى أن الانتماء الجغرافي أقوى من الديني، وأن الحدود أكثر فاعلية في قطع أو توطيد العلاقات من الدين واللغة.
لا يعني ذلك أن الدين واللغة عاملان هامشيان، لكن واقعيًا:
كم من دول عربية إسلامية تتصارع، مستنجدة بالأجنبي، باسم الوطن وحدوده وذاكرته؟
هنا تبدو الحدود أكثر فاعلية من المعتقدات في توجيه الانتماء. وهذا ليس لقوتها وإنما لاختلال مفهوم وأساس الانتماء، ولتشييد جماعات قبل أن يشكل الفرد هويته، مبادئه، ويحتضن خصوصيته.
فبين هذه المجموعات المتعارضة، يظهر ارتباك الهوية: وطن، لغة، دين، عرق…
كلها تطالب الفرد بالولاء. لكن لأيّها يميل حين تتفرّع الطرق؟
هنا نصل إلى المفهوم الأشدّ حضورًا في حياكة نواة الانتماء: الوطن.
هل الوطن قضية حقيقية أم وهم؟
تولد — بمحض الصدفة، أو بقدرٍ إلهي إن آمنتَ بذلك — في مكان لم تختره. تطلق صرختك الأولى، لتستقر في حضن أشخاص يُقال إنهم عائلتك. هم الداخل، وما عداهم الخارج.
ثم يأتي ذاك اليوم الذي تقابل فيه قطعة قماش يُقال لك إنها العلم. لا تبقى الأسئلة معلّقة؛ تُجاب عنها في حصص التاريخ والجغرافيا. تُملأ ذاكرتك الهشّة بشعارات كبرى:
“من أجل الوطن”…
“بالروح بالدم نفديك يا وطن”.
تُستعمل الكلمة بتلقائية، ويُسهَب في الحديث عنها، بينما يتوقف عقلك عند السؤال الأول: ما هو الوطن؟
الوطن ليس مفهومًا بريئًا ولا ثابتًا، بل هو تركيبٌ معقّد، صُنِع تاريخيًا وسياسيًا ونفسيًا، ثم قُدِّم للناس بوصفه حقيقة بديهية.
ينطلق بندكت أندرسون من أطروحة جذرية:
الأمّة جماعة متخيّلة، لا حقيقة طبيعية، ولا امتدادًا بيولوجيًا، ولا كيانًا أزليًا. حيث أن أفراد الأمة لن يعرفوا أغلب أبناء أمتهم معرفة شخصية، ومع ذلك يتخيّلون رابطًا عميقًا يجمعهم. لكن مع ذلك فهذا التخيل ليس وهمًا، بل شرطًا وجوديًا لقيام الأمة.
ومن هنا يظهر الوطن كاستطراد جامع لمجموعة من الأشخاص يشتركون في الذاكرة والأرض، لكنه يقتات أساسًا على الخطابات، والتحويرات الثقافية والتاريخية للعقلية الجمعية.
وهنا يتصارع ثلاث أطراف في تبني ذات الوطن:
فهل الوطن هو الحاكم؟
لو كان كذلك، لتغيّر الوطن بتغيّر من يعتلي العرش، ولصار كل معارض خائنًا، ولخضعت الثقافة والتاريخ والأفراد لإرادة شخص واحد.
هل الوطن هو الأرض؟
أرضٌ صمّاء، بلا ذاكرة ولا معنى إن لم يعش فيها أحد.
هل تُسمّى وطنًا دون بشر؟
هل الوطن هو المواطن؟
إن كان كذلك، فهل التافه وطن والعالم وطن؟
الشهيد وطن والخائن وطن؟
وإن مات الملايين لأجل الوطن، كيف استمر الوطن؟
وإن قتل الوطن أبناءه، فأيّ وطن هذا؟
هل هو المواطنون باجتماعهم وتكتلهم؟
لكنهم مختلفون، منقسمون، متنازعون في الرؤى والمطالب.
فأيّهم هو الوطن؟
وبينما يتدثّر الجميع بلفظة الوطن لتبرير أفعالهم، ويقدّم كل طرف نفسه ممثلًا له أو تجسيدًا له، يظل السؤال معلّقًا:
ما هو الوطن؟
الوطن سردية مشتركة. حكاية كبرى يتفق عليها عدد من البشر، تُصاغ من تاريخٍ مُنتقى، وحدودٍ مرسومة بالقوة أو بالضعف أحيانا، ورموزٍ (علم، نشيد، شهداء)، لتُغذّى بعدها بالتعليم والإعلام والطقوس الجماعية.
من دون هذه السردية، تتحول الأرض إلى جغرافيا، والناس إلى أفراد بلا رابط سياسي.
وأمام هذا التعريف البارد أترك لك عزيزي القارئ مسؤولية حياكة إجابتك الخاصة عن السؤال: ما هو الوطن بالنسبة لك؟
القومية: حين يصبح التشابه تهديدًا للخارج
بين تصدعات الوطن، وعلى حدوده الجيوسياسية، تتسرب القومية، كضيفٍ مثير للانقسام والالتحام في آن واحد.
إنسان لم تلتقِ به يومًا، يقطن في القطب الآخر من هذه الأرض، ثقافته قد تختلف عنك، بنيته النفسية مختلفة، ومع ذلك يُقال أنكما إخوة؛ آختكما اللغة أو الدين.
القومية كما يعرفها أورويل لا تنفصل عن الرغبة في السلطة. والغاية الدائمة لكل “قومي” هي تأمين مزيد من القوة ومزيد من الهيبة، لا لنفسه، بل للأمة أو للوحدة التي اختار أن يُذيب فيها فرديّته. على عكس «الوطنية» التي لخصها في كونها تعني الإخلاصَ لمكانٍ معيّن ولنمطٍ معيّن من العيش، يعتقد المرء أنه الأفضل في العالم، من دون أن تكون لديه رغبة في فرضه على الآخرين. وبهذا تكون على النقيض من القومية دفاعية، عسكريًا وثقافيًا .
كما أنه يقوم بتمديد الكلمة لتتجاوز حدود القوم واللغة وتحتضن أيضا الأيديولوجيات والأحزاب فتشمل الشيوعية، النازية، الستالينية، الديانات…
وهنا ترتكز القومية عل تفضيل فئة على أخر مُعطِّلة بذلك الحسّ الأخلاقي.
فالقومي يبرر الجرائم إن ارتكبها «أبناء جماعته». ينكر الحقائق الواضحة إن أضرت بصورته الجماعية. كما يعيد تأويل التاريخ باستمرار لخدمة الانتماء. كما أن القومية تحتاج إلى عدو دائم. وعند غياب العدو الحقيقي، يتم اختراعه.
وبهذا فهي ترتكز على الثنائية التي لا بد من أن يقصى فيها الآخر لكي تتحقق.
وهنا يمكن أن يتم التلاعب بالجموع واختزالها في قضايا مشحونة يتم فيها وسم الآخر بصفة “العدو”، وكله مستباح ضد العدو.
التناقض: حين يصبح التشابه تهديدًا للداخل
وبين تجليات الانتماء المتضاربة يظهر لنا أنه لا يجمع فقط، بل يُقصي أيضا. ليس الآخر البعيد وحده، بل حتى ذاك المشابِه.
وهنا تظهر مفارقة الشعوب المتجاورة، خصوصًا تلك التي خضعت للاستعمار: كلما زاد التشابه، زاد التنافر.
فبالرغم من أن الإنسان يرتاح في الاماكن التي تشبهه وتمنحه الامان وضمانية الاستمرار الى انه وقت الرفاهية حين تقل حدة الغريزة ويعتكف التهديد الظلال تظهر المنافسة البشرية والرغبة في الظهور الفردي والتميز. ومدفوعا بالرغبة القهرية في التصنيف والفصل بين هم ونحن يتنافر المتشابهون.
ليفضح التشابه هشاشة الهوية، فالاختلاف الواضح مريح.
الآخر البعيد، المختلف لغويًا أو دينيًا أو شكليًا، لا يهدد تعريفك لذاتك، لأن المسافة بينكما كبيرة بما يكفي. أما الآخر المشابه فهو مرآة ومرآة غير مريحة، فالشعوب المتجاورة، المتشابهة ثقافيًا، لغويًا، دينيًا، تحمل سؤالًا صامتًا وخطيرًا:
إن كنّا متشابهين إلى هذا الحد، فما الذي يجعلنا “نحن” وهم “هم”؟
فتتخبط الشعوب متمسكة بالخيط الذي يجمعها محاولة بيأس فرض هيمنتها عليه أو إعادة تلوينه ليخالف ما يملكه الآخر، ويحدث هذا حين تكون الهوية مبنية على أسس هشة، على خطابات مصلحية، وعلى شعارات متوارثة، لا عن فهم وتحليل واختيار.
خاتمة:
ليس السؤال الحقيقي إذن: هل الوطن وهم أم حقيقة؟
بل: أيّ وطن نريد أن نعيش فيه، وأيّ وطن نُعيد تشكيله داخلنا؟
الوطن، حين يُنزَع عنه طابع القداسة، لا يفقد معناه، بل يستعيده. يصبح مساحة مسؤولية لا أداة تعبئة، إطارًا لتنظيم العيش المشترك لا ذريعة لإلغاء الفرد، علاقة نقدية لا عقد ولاء أعمى.
الانتماء لا يكون أخلاقيًا لأنه مُوروث، بل لأنه مختار. ولا يغدو نبيلًا إلا حين لا يُطالِب صاحبه بالتخلي عن إنسانيته مقابل القبول في الجماعة.
ربما لا نحتاج إلى هدم فكرة الوطن، بل إلى تحريرها: من الاحتكار، من الخطاب الواحد، ومن تحويلها إلى سلاح في وجه من يفترض أنهم جزء منها.
هذا النص لا يقدّم تعريفًا نهائيًا للوطن، ولا يسعى إلى ذلك.
بل يطرح شكًّا ضروريًا:
شكًّا يحمي الفرد من الذوبان، ويمنع الجماعة من التحول إلى قطيع.
المراجع(لم أنقل أفكارها حرفيا وإنما اعتمدتها كمادة داعمة ):
imagined communities - Benedict Anderson
notes on Nationalism- George Orwell





بالنسبة لي، لا أملك تعريفًا فلسفيًا جذريًا للوطن، بل أريد التعبير عنه كما أشعُر، و ما أعني بذلك أنه ليس كما تشعر الفتاة صاحبة الثامنة عشر عاما، بل تلك الفتاة الصغيرة صاحبة التسعة أعوام، عند وقوفها لتحية العلم مع الساعة السابعة صباحا قبل ولوج الأقسام لمزاولة الدروس، عندما كنت أرفع رأسي لرؤية علم بلادي، كنت دائما ما أتسائل؟ ما سبب تقديسنا لتحية العلم كل صباح! لما المدير شديد الحرص على عدم تفويتها و على انضباطنا و على ترديدنا للنشيد الوطني؟ ولكن لما؟ الوطن لا يرانا عندما نقوم بذلك! و العلم لا يشعر ولا يحس! إذا فـلما نقوم بذلك؟ ألا تكفي مجرد تحية صغيرة عند المرور بالعلم صدفة خلال تجوالنا بالساحة؟ أو تلك الفقرات المبتذلة عن مدى حبي لوطني أو مدى جمال علمي عندما أراه شامخا يتوسط كبد السماء! كُنت أكذب، نعم، كنت أكذب كثيرًا و أردد أننِي فخورَة لرؤية علمي صباح كل يوم، في الواقع أنا لم أفعل، أنا لم أشعر بالفخر حيال قطعة قماش؟ كان يبدو هذا سخيفا جدا بالنسبة لي، أليس من الأفضل أن نعلم الطفل لما يجب عليه حقا أن يحب وطنه بدلا من تقديس الرمزيات بهذه الطرق المبهمة؟ أجربت يوما أن تخبر إبنك بتاريخ أجداده في محاربة الإستعمار؟ هل جربت يوما أن تحدثه يوما عن خير أرضه الخصبة و عن إحتضانها لأجساد من ماتوا لأنهم رفضوا الذل و القهر و رفضوا السكوت و الجزع و قرروا إتخاذ خطوات على أمل تغيير منحى مجتمعاتهم؟ أجربت يوما أن تسمع إبنك عند إخباره إياك أن إجباره على إلصاق علم وطنه على ميدعته لن يجعله و بشكل سحري يجثو على ركبتيه حبا الوطن! كلا، كلا، إنه لم يفعل، و لن يفعل.
تذكرت هذه :
«وش الوطن؟مربى؟ولادة؟أختيار؟
وإلا وظيفة جيّدة..وعيشة رغد؟
وإلا صحاري دم جدِّك يوم ثار
على الفقر والجوع..في صبر وجلد؟
وإلا حبيبة كانت بصدرك ديار؟
بنتٍ بعين الناس..وفي عينك بلد؟
وإلا الوطن أمٍ تخيّط لك زرار؟
لولاه يمكن..دمِّك بقلبك بَرد
أو الوطن حاجة مثل صالة مطار؟
ماهو لنا ماهو لهم ماهو لأحد»