مَن مِنَّا أنا؟
أنظر بتمعّنٍ في ملامحها، وأبحث في لمعة عينيها الغامضة، البريئة، الهادئة، البعيدة، الدافئة—الباردة، عن دليلٍ، عن رابطةٍ، عن ذكرى.
تستقر شفتاها في ابتسامة مستقيمة لا تتجعد معها الخدود، كأنها خاصمت الحقيقة والحرية، واكتفت بعرضٍ منمّق يحفظ أناقتها ومظهرها.
هل كانت تعرف يومها أن ليس عليها المبالغة؛ لا في الكلام، ولا الضحك، ولا الانخراط؟
هل كانت تعلم أن عليها أن تبقى هادئة، جميلة، بعيدة، لطيفة… لأن خروجها عن ذلك سيجعلها عيبا — أمرا ينبغي التخلص منه؟
أبحث بين خصلات شعرها التي لم تكن تتعلّق بها — إذ لم تُطِل يومًا المكوث بجانبها — وبين حلقيها اللذين أعلم كم كانت تنتظر العودة إلى المنزل لتتخلص منهما ومن كل تلك الزينة، أبحث بين ألوان الصورة عنها، لعلي أتذكرها.
أفتّش في الجسد لعلّي أجد شيئًا يشبهني… لعلّي أجدني.
يشدني معطفها البنفسجي الذي يغلفها ببراعة؛ ذاك الذي، وللمفارقة، أملك واحدًا مثله.
أمِنَ الممكن أن يبقى ذوقُنا ثابتًا رغم تغيّر الملامح؟
تستقر عيناها الصغيرتان بهدوء على عدسة المصوّر، وتفيض بابتسامة هادئة؛ فهي تعرف جيّدًا ما هو مطلوب منها.
هل مظهرها المرتب هو انعكاس لجوهرها، أم أنه تنكر فارغ لتغطية الفوضى التي تعيش بعشوائية داخلها، تقتات على أحلامها وهشاشتها؟
لم تكن تعلم شيئًا آنذاك… أو ربما كانت أعلم مني، أنا التي أظنّني صرت أكثر خبرة ودهاء.
أتذكّر كم كانت هادئة، حتى أنّ أحدا لا يتذكّرها. يقول الجميع أنّها كانت خفيفة، سهلة، لطيفة، هادئة لدرجة أنها لم تحفر أثرًا في الذاكرة.
مرّت كنسيمٍ عليل لا يلتفت إليه أحد، فقد كان الجميع منشغلين بالرياح العاتية التي عصفت هاجت وهيّجت.
أبحث عنها في ألبوم الصور، في ذكريات العابرين، لعلّي أجد دليلًا على مرورها من هنا… لكن لا شيء يدنو مني، فحتى أنا لا أتذكّرها كما ينبغي.
أهرع إلى المرآة وأتأمّل ملامحي جيدًا؛ وكما توقعت لا وجود لها فيّ كما لا وجود لي فيها.
أفتّش بين دهاليز الذاكرة عنها، عن ذكرياتها، عني… فينهال عليّ كل ما ظننتني نسيته؛ كل ما سعيت إلى الهروب منه. يداهمني عنوة ما لم أرد يوما تذكره.
لكن من أين يأتي كل هذا؟ ألا تبدو هادئة، ألا تبدو مرتبة؟ من أين إذن كل هذه الفوضى؟
أيعقل أننا بجانب الذائقة نملك الاستراتيجية ذاتها في الادعاء: ابتسامة هادئة ومنظر جميل بارد، يغطي على البشاعة والنار المضرمة بعنف في الداخل.
هل كانت تخفي خرابا مشابها في الداخل، أم أن الخراب وُلِد لاحقا؟
أتشبث بما تبقّى من خيوط الذاكرة بحثًا عن ذكرى جميلة أتمسك بها، عن شعور حقيقي، عن ضحكة حرة، عن لحظة غمرتني فيها سعادة صادقة.
أبحث… وأستمر في البحث… لأعود في النهاية خالية الوفاض — أو محمّلة بما لم أبحث عنه، بما أردت فقدانه — ومحرومة مما رغبت فقط في لمسه.
بغرورها وكبريائها العاتيين، هل كانت تتوقع أنها ستُنسى؟
أنني، حتى أنا، سأفقدها من ذاكرتي؟
هل نسيتُها حقًا، أم أن الذاكرة هي التي تخشى تذكّرها؟
هل هذا الضيق الذي يخنقني هو قبضتها المحكمة بحنقٍ على روحي؟
وهل الأصوات المتصاعدة داخلي هي، في الحقيقة، صرخاتها؟
هل هي مجرد نسخة أم أنها المصدر المؤسس؟
هل يفصل بيننا الزمان، أم أن الذات لازالت تجمعنا؟
إن كانت هي أنا… فأين تنتهي هي وأين أبدأ أنا؟
وإن لم تكن موجودة، فما هذا الظل الذي يزاحمني كياني؟
لأعثر على نفسي، هل عليّ أن أتشبث بها أم أفلتها؟
أنظر إليها، ثم أنظر إليّ… فأقف وجهاً لوجه مع السؤال الذي لا يفنى:
من مِنَّا أنا؟




مبهر النص 💙