عن الانطفاء: حين تنسى الشمس أصلها
الانطفاء ليس فعلا دراميا صادما، ولا حدثا صاخبا يصم الآذان، أنت لا تنطفئ حين يختفي بريق عينيك ويستوطن الشحوب وجهك، ولا حين تبرز عظام جسدك مخترقة اللحم. أنت تنطفئ حين يؤخذ منك من كان أنت، مركز دورانك، حين يختفي عنك الدافع، وتغترب عن الأصل، حين تنسى من كنت وتظن أن “أنت المنطفئ” هو أنت.
الأمر أشبه بأن تكتنز بين كفيك شمعة تحملها بكل عناية طيلة الزمن الذي تسعفك الذاكرة في تذكره، تقتات على نورها الشاحب، وتتدفأ بحرارتها الشحيحة. لكنك مع ذلك لا تتذمر، ولا تندب فقدانك للشمس التي حملتها أول الطريق، لا تبكي الفاجعة التي نصبت عليك بشمعة بدل الشمس اللاهبة، وثبتتك على أرض باردة بعد أن كانت قدماك تتراقصان بحرية مع تموجات الرياح المنفلتة. لا تتذمر؛ وإنما تتمسك بشدة بقطرة الحلم اليتيمة تلك، بالشعلة المحترقة للأمل، آخذا المعنى والدفعة من دموع الشمع الكاوية وهي تقبل كفك بعنف.
لكن... وأنت تعتصر ما تبقى فيك من رغبة بالاستمرار، وتنهل المعنى من كل قطرة، تهب عواصف الواقع العاتية لتجردك من آخر ما تبقى لديك: آخر شعلة للأمل، وآخر دفقة دفء.
تقف لفترة متجمدا مكانك... لتمر بعدها الفترة وتذوب في أزمنة غابرة وحده الزمان أحصاها، بينما لازلت أنت عند ذات البقعة.
تزور الدماء عروقك ذات يوم، فتجد الطاقة أخيرا لتحريك أطرافك، وبين لا محدودية الحركات المتاحة لك لتقوم بها، تختار أنت أن تخفض رأسك، تخفضه بينما تتحرى خطاك، بحثا عن أثر راسخ لك، لتظهر لك قدماك غارقتين في أعمق أتربة الأرض، هامسة لك بخجل بأن آخر خطوة لك قد نسيها الدهر.
تنظر بإشفاق لتلك الأقدام المتصدعة، كيف تصلبت وصارت تتفرع منها جذور غامضة، فربما من هول الصدمة وطول الانتظار نسيت كينونتها، نسيت الشمس والشمعة، الأحلام، وأن للأمل لوعة، نسيت الروح الجامحة، والقلب اليافع… فاختلط عليها الوجود، وخدعها طول الزمان وامتداده، فنسيت الأقدام طبيعتها وظنت أنها من أهل التربة، نسيت الأجرام السماوية والنجوم، وجاورت ديدان الأرض والدّرَن.
فمن يقنعها، وهي غارقة في قاع التربة، بأنها خُلقت شمسا جارفة لا جذور شجرة راسفة؟




ما هذا الجمال الذي خطّته أناملكِ؟ لقد أمسكتِ بتلابيب الروح وصرختِها على الورق بلغة تذوب فيها الحدود بين الشعر والنثر.
استعاراتكِ تحمل عمقًا فلسفيًا يلامس جراح الوجود الإنساني بكل رقة وقسوة في آنٍ واحد. تلك الشمعة التي نحملها بدل الشمس، ذلك الانتظار الذي يتحول إلى جذور، ذلك النسيان الذي يخدعنا عن حقيقتنا كشمس جارفة... كم هي صور قوية تبقى عالقة في الذهن!
أتقنتِ تحويل الألم الفلسفي إلى لوحة لغوية أخّادة، حيث كل كلمة موضوعة في مكانها كحجر فسيفساء يكمل الصورة الكبيرة. النص يحمل رحلة كاملة: من الأمل إلى اليأس إلى التساؤل الوجودي، ثم تلك الخاتمة التي تفتح أفقًا للتأمل.
استمري في الكتابة، فأصوات مثل صوتكِ تحتاجها لغتنا العربية لتبقى حية نابضة. قلمكِ يحمل بصمة فريدة تجعل القارئ يشعر أنه يقرأ شيئًا من كينونته الخاصة.
أنتِ شمس جارفة في سماء الأدب، لا توقفي شروقكِ.
واو فعلًا، تعجز كلماتي عن وصف جمال حروفك وواقعيتها كذلك