القضية أكبر من السودان، والسودان أكبر من أي قضية
لا أدري عن شريعة المجتمعات، لكن في شريعتي: فمتى حضر الدم ما عاد يهم لا تاريخ ولا جغرافيا ولا لون.
تحت أي ظرف لا يمكن تبرير دماء الأبرياء المنسكبة ولا الممارسات البشعة التي يتم تعذيبهم وقتلهم وفقا لها.
وأنا شخصيا أرى من المؤسف أن أكتب مقالا لجعل الناس تتعاطف مع دم يسكب بلا اكتراث وطفولة تغتصب، ألا يجدر لقلبك أن يفيض حزنا فقط لأنك أبصرت دم إنسان واحد يسفك؟
بل ويستفزني حتى لجوءنا إلى تداول الأرقام الضخمة وصور الأطفال والنسوة لجعل العالم يرأف.
ألا يجدر بنا أن نقيم القيامة على جرح واحد في رجل منا؟ لم يجب أن تتكوم جثثنا فوق بعضها حتى ينظر العالم لقضايانا؟
ما يحدث في السودان لا يمكن أن يفهم ويختصر في الأحداث التي تحدث الآن فقط والممارسات المعروضة أمام الكاميرات، فالمذنب ليس حميدتي فقط ولا الأطراف الفاعلة في الميدان، فحيز المجرمين المتواطئين أكبر بكثير.
فالسودان هو منطقة صراع لهوية مشوشة شوهها الاستعمار البريطاني، ويمثل منطقة نهب تكالبت عليها “تلك الدول” وصارت تستنزف منها الحياة والموارد بينما تغدي وتدعم سافكي الدم. تعددت القوى المتدخلة، بين أطماعٍ اقتصادية وهيمنةٍ سياسية، من الشرق والغرب على حد سواء... باختلاف تأثيراتهم ونهجهم المتبع لكنهم يتبعون مبدآ واحدا وهو: الاستفادة القصوى من البلد، واستنزافه من ثرواته إلى دمه.
لنصل إلى مركزية السلطة وصراع الأقاليم والاصطدام الدموي للطموحات الشخصية.
كما أن جرح السودان هو جزء من الجرح الأفريقي العميق: لعنة الثروات.
لتفهم ما يحدث في السودان يلزمك بحث أولا. وجذور الصراع وتاريخه وجغرافيته هي عناصر لا يمكن الاستغناء عنها لفهم ما حدث، وهذا ما لن أتطرق إليه (سأضع مراجع وتوصيات في النهاية لمن يريد ان يفهم عن الصراع).
ما أريد ان أتحدث عنه هنا هو أمر لا تلزمك معرفة واسعة لتفهمه، ولا قراءة أسفار لتشعر به —أتمنى ذلك— لأنه أن تلزمك معرفة لتتعاطف هو ناقوس خطر ينبهك لفجاعة الوضع المحاصرة فيه انسانيتك.
سأتحدث هنا عن طبقات نفسية، أخلاقية، تاريخية، دعائية، وسلطوية أراها فاعلا أساسيا في تكوين نظرة العالم اتجاه السودان.
.
الانتقائية الانسانية:
“ألا يجدر بنا أن نقيم القيامة على جرح واحد في رجل منا؟ لم يجب أن تتكوم جثثنا فوق بعضها حتى ينظر العالم لقضايانا؟”
كان هذا سؤال طرحته فوق بانفعال، وآثرت ألا أحذفه، أو أعدله، بل أستشهد به.
على من تعود ال “نا”، من هم ال “نحن” المعنيون؟
من هم نحن الذين نخصهم بالاحتواء؟ عرب، مسلمون، أم البيض منا؟
فربما لو لم تكن القضايا قضايانا، ما كنا لنهتم او لنلتفت إلى الدم المنسكب، إذ أن تضامننا مع القتيل ليس نابعا من انسانيتنا أو سمونا الأخلاقي، بل من كوننا على ذات الطرف معه، على الجهة التي يمارس عليها الظلم.
هنا لنقف عند المساحة العربية: الشعوب بمعزل عن الحكومات.
أين العرب من السودان، أين المسلمون مما يحدث؟ ولم لم يتلقى السودان ذات الدعم الشعبي الذي تلقته غزة؟
هل هو التعتيم الإعلامي، لكن كما نرى فالأجندات المجندة ضد غزة كانت أقوى بكثير، إذن أين الخلل؟
هل هو في القارة، أم لون البشرة؟
يقول محمود درويش في لقاء له يخاطب فيه إسرائيلية فسأل: هل تعلمين لماذا نحن الفلسطينيون مشهورون؟ لأنكم أنتم أعداءنا، إن الإهتمام بنا نابع من الاهتمام بالمسألة اليهودية.
فهل لم يُلتفت إلى السودان لأن عدوها ليس اسرائيل؟ فهل يُنظر إلى الدماء بقدر قيمة من سفكها، فإن كان من طينتنا فلا يهم، أما إن كان منهم فهنا قضية مشهورة —بهم لا بنا نحن—.
كانت هذه لتكون الإجابة لو أن تجاهل المعاناة السودانية كانت من الغرب فقط، لكن ماذا عن الشعوب العربية، أين هي من هذا؟ لم كل هذا التقصير في تناول القضية السودانية، ألأنهم أفارقة؟
هنا نقف أمام تساؤل عميق يصرخ بهمس: هل العرب يتعاطفون عبر عروبتهم وإسلامهم أم عبر إنسانيتهم؟
السودان عربي وذو غالبية مسلمة، فلم لم يؤجج نيرانا في صدور العرب؟
بصراحة حاولت كثيرا أن أكتم إدراج هذا التساؤل لعدم رغبتي في أن يؤخد كلامي في سياق خاطئ، لكنني مع ذلك سأتكلم: فلا يسعني أن أمنع نفسي عن التفكير في اختلاف الموقف العربي الشعبي بين غزة والسودان. ليس لأن السودان لم يأخد التعاطف العربي وإنما لأنه لم يأخد غضبه.
هل بسبب البعد الجغرافي، أو بسبب الحمل الثقافي فالقضية الفلسطينية وغضبها مزروع فينا منذ الأزل، أما السودان فهو قضية مستحدثة —بدأت قبل 20 سنة “فقط”—، وستقولون ذاك استعمار وهذه حرب أهلية، حرب أهلية؟ حرب أهلية؟
هنا أقول: الوضع أعقد بكثير مما يبدو عليه.
الصورة الأفريقية:
هل لم يؤجج السودان غضب الجموع لأن السودان أفريقية؟
أعلم أن السؤال قد يبدو مستفزا وستكون الإجابة الأولية عنه بالنفي، فلا أحد سيعترف لنفسه أنه يرى شخصا آخر أدنى منه، لكن دعونا نضع العواطف جانبا ولنتأمل الحالة:
أفريقيا... ما الذي يخطر ببالك بكل شفافية عندما تسمع هذه الكلمة؟ كن صريحا فلا أحد يستمع لأفكارك يا عزيزي القارئ.
..
..
..
..
هل ربما من زار مخيلتك هو طفل هزيل يبكي، أو تجمع مكتظ لأشخاص—طبعا هزلاء— يحملون صينيات قصديرية فارغة.
حفاة الأقدام يتدافعون موشومي الصدر بعظامهم التي تكاد تخرج عن أجسادهم.
أو ربما إن كنت ذا خيال أو اطلاع أوسع، فسترى ألوانا مبهرجة تلتحف بها راقصات أفريقيات يرقصن في حي تغطيه الخيام، وإن كان أكثر بذخا لكان مرصعا ببيوت قصديرية يضيق نفسك من مشاهدتها من الخارج، دع عنك دخولها.
هذا ما أتحدث عنه بالضبط، عن هذه الصورة بالذات، التي وإن قلت أنك لم تتخيلها هكذا، لكنها لا تبدو غريبة عنك، صورة متواجدة منذ غابر الزمن، التمثيل الأزلي والطبيعي للأفريقي.
هذه للصورة السائدة التي يتغدى عليها العالم عبر الزمان الرجل الأفريقي الفقير الجائع الذي تزوره المنظمات الانسانية.
حافي القدمين، يستوطن بيوتا قصديرية وخيام، يأتيه رجل بكاميرا حديثة الطراز ويلتقط له صورة مع امرأة جميلة بيضاء البشرة تناوله قطعة خبز، أو لعبة... يال إنسانيتها سيقول من تصادفه الصورة.
لكن لمن يعرف ما جعل أفريقيا هكذا فلن يراه مشهدا انسانيا حقا، بل مسرحية حقيرة لترسيخ السردية، الأمر أشبه بأن آخد منك بيتك وأحرص جيدا على ألا تتمكن من الحصول على كفايتك من الطعام لبقية حياتك دع عنك امتلاك منزل مجددا. ثم آتيك يوما ما وأبسط وجبة كاملة أمامك. هل ستراني الملاك الحارس لبوابة الإنسانية؟
ولا أنا كذلك.
وهنا أقولها بأعلى صوتي: أفريقيا ليست فقيرة بل منهوبة، والأفارقة ليسوا فقراء معدومين بالولادة وإنما ضحايا استعمار، نهب، وطمع خارجي داعم لفساد داخلي.
الهوية التي جُمِّدنا فيها: الغرب العظيم ، دول العالم الثالث والدول المعدومة —أفريقيا—.
وهذا أمر لطالما همست لنا به الخريطة دون انتباه منا، فأرتنا من الأكبر ومن الأصغر، ليس كما يقول العلم ولا الجغرافيا، بل كما يقول الغرب، وإن كانت الحقيقة تقول عكس هذا.
وربما لهذا تعاطف العرب والعالم مع السودان ضئيل، حيث أن صورة الطفل الأسود الفقير ليست جديدة بل و وإنها اعتيادية ولا بد منها للحفاظ على توازن النظام، هم أشخاص وجدوا لنتعاطف معهم بين الحين والآخر ونتبرع لهم بكم قطعة خبز حتى نثبت انسانيتنا لأنفسنا.
والنظرة الدونية الأفريقية ليست بفعل خارجي فقط بل هي مزروعة بعناية داخل كل افريقي ويهذا يتواطؤ الجميع بوعي وبدون وعي منهم للابقاء على نظام جائر وضعه من يظنون أنهم الأعلى ودعمه من يظنون أنفسهم الأدنى.
التعاطف دون مسؤولية:
العالم تعاطف وبكى من أجل السودان، طبعا بعد أن كُوِّمت الجثث وتكررت الاغتصابات وتفشى الموت كالطاعون لتبهت أمامه كل مظاهر الحياة.
كما قلت سابقا تعاطف دون غضب.
التعاطف الذي حصده السودان أشبه بذاك الذي يستجديه منك متسول في الطريق، يقطع قلبك ويشوش عواطفك، لكن الأمر ينتهي بمجرد أن تبتعد عنه وتعطيه بضعة قروش، بعدها ستنساه، وهنا المأساة:
تعاطف دون مسؤولية.
التعاطف يكفي لراحة النفس، أما الغضب فهو ما يغير الواقع.
أو ربما لا أحد يريد تغيير الواقع لأن هذا سيسلب النظام استقراره ويحطم الهرم المقدس الذي تم تداوله بقدسية طيلة التاريخ: هرم يكون فيه الأفريقي في القاع، والقمة لسليلي باقي القارات.
فقبل التحدث عن العدالة، السؤال الذي علينا ان نطرحه أولا: هل نحن مستعدون لدفع ثمن تحقيق العدالة؟
وهل المستفيدون من النظام سيدعمون خرابه؟
لا الأنظمة، بل أعني الشعوب المستفيدة منه سواء ماديا أو نفسيا، لمن عانقوا الغنى والثروات بفضل الدول المشاركة في نهب ثروات ودم شعوب أخرى، هل تظنهم مستعدين لمطالبة نظامهم بالتوقف عن سفك الدم.
أولئك الذين دعموا غزة أين هم الآن؟ ام أننا ننتفض فقط متى كان سافك الدم غربا، أما إن فقد نقطة الإدانة تلك المستقرة فوق الغين، فهنا يختل ميزان انسانيتنا، ويصبح مبدأ عدالتنا مقيدا باستفاداتنا المادية وانتماءاتنا الجغرافية.
فربما نحن نخاف الفوضى أكثر مما نحب العدالة.
هنا ارتأيت أنه قبل مناجاة انسانيتك واستدعاءها، لا بد أن أسألك أولا عزيزي القارئ: أين تقع حدود انسانيتك؟ هل تبلغ ذروتها داخل المساحة التي تسميها وطنا وتخر وتتداعى كلما اقتربت من الحدود وتجاوزتها؟ حدود وضعها المستعمر وترك بعض الابهام ليتصارع لإيضاحه الإخوة.
فإن كانت إنسانيتك محكومة بالحدود يا عزيزي القارئ، فكم الكمية التي تبقى عندك عند الوصول إلى غزة، كم ستملك في السودان، وهل يبقى لك القليل لتخصصه للكونغو،أثيوبيا، للبوسنة والهرسك، للإيغور، لمالي والنيجر... وتطول القائمة ؟
هل ستظل تملك بعض الإنسانية ان ابتعدت عن الحدود كثيرا، وما قدر المسافة التي تحتمل انسانيتك قطعها ؟
عقلية انعدام الحيلة:
وهل يا ترى قد تم ابتلاعنا في عقلية انعدام الحيلة، فأصبحنا لا نتكلم ليس لأننا لم نتأثر بل لأننا نعلم أن كلامنا لا يغير شيئا، فالتأثير سمة غربية، أما نحن فبالكاد يُسمح لنا بالعيش؟
إذن ماذا نفعل؟ هل نحلل وننتقد ونبكي ونرثي وندين ونندب فقط؟
هل نستمر بالتكلم بالرغم من معرفتنا أن كلامنا ليس له وزن ولا فائدة تذكر؟
أجل يا عزيزي القارئ، هذا بالضبط أول ما علينا فعله: أن نتحدث، ولا نتوقف، ولا نتعب.
حتى إن لم نبصر نتيجة على الميدان، علينا أن نستمر، أن نتعلم ونبذل أنفسنا ليس فقط في تحقيق النجاح والخلاص الفردي، بل في النهوض بأمتنا، وقبل تحقيق الانجازات الكبيرة علينا أولا أن نهزم تلك العقلية.
فهل تظنون أن استمرار الجناة بنشر ما يفعلونه هو غباء منهم فقاموا يفضحون أنفسهم؟
لا أبدا، بل هذه خطط ممنهجة تصرخ في وجهك بكل وقاحة: أنظر أنا أفعل هذا أمام عينيك وأنت لا يمكنك فعل شيء.
هذا السجن النفسي هو ما علينا أولا التحرر منه، كيف؟ بألا نتوقف لأننا لم نحصد نتيجة، فنحن نموت من أجل شرف المحاولة.
إن متَّ على طريق الكرامة حتى إن لم تأخد الحرية المادية فستموت حرا، أما إن اخترت الموت على الكرسي مشبعا بجحيم الوعي الذي يمنعك من القيام بالفعل لمعرفتك بانعدام جدواه، فهنا ستموت عبدا منهكا فكريا.
ففي الحالة الأخيرة بلا وعي منك أنت ترضخ للنظام، وتدعم السردية التي تصرخ عاليا: أنت أقل، أنت بلا جدوى، أنت بيدق لا يهم.
ما أريد قوله أن القيمة في دواخلنا، فإن أخد الاستعمار أرضنا وأموالنا وأطبق قبضته على الملموسات المادية، فدعونا لا نسلمه طواعية إرادتنا، كرامتنا، قيمتنا وحريتنا الفعلية.
هناك من قال قبلا:
سجل أنا عربي
اما أنا فأقول:
سجل أنا إنساني
سجل أنا إنسان، ولن أسمح لك بأن تقنعني بأنني أقلّ من ذلك.
عسى أن يحفظ الله السودان وأهلها، الكونغو وأثيوبيا، وطبعا دعواتنا لا تخلو من فلسطين.
عسى أن يفرج الله عنهم كربتهم، وأن يلتئم جراح كل الشعوب التي تعاني من القهر والظلم .
عسى أن يبتعد عنا الموت، وتقبل الحياة، عسى أن نبصر فجرا عربيا إسلاميا بإذن الله، وأن يحجب الموت والقتل عن الإنسانية جمعاء.
..
..
بين طيات ما كتبت وجدت أسئلة تفتح أبوابا أوسع، ربما سأتناولها في مقال آخر:
فربما كل جزئية مما كتبت هي مقال بحد ذاته، لكنني تناولتهم هنا مجموعين لأنني أراهم جميعهم يخدمون القضية السودانية. لذا ربما سأسهب في شرح كل جزئية في مقال مستقل مستقبلا.
إضافة إلى انني كتمت أسئلة أخرى:
أين تقع حدود العلاقة بين السلطة والشعب، هل الوطنية هي أن تدعم النظام كونه مرآة الوطن أم أن تردعه وتتصدى له وتخالفه إن كان يلوث علمك؟ هل الولاء للأرض أم لمن يعتلي العرش؟
(هذا للشعوب التي تدعم حكومتها بعمى في ممارساتهم الخاطئة على شعوب أخرى)
بعض المراجع والتوصيات لفهم الصراع والشعور بالمعاناة:
حالة السودان بإيجاز بالصوت والصورة:
https://youtu.be/n33ZNseVUmA?si=HrzMC_LcO2H_dx58
مقطع يتناول قصة الصراع بشكل عام:
•https://youtu.be/uUjCJTqvx3A?si=MebGTpVQRyI2V8Ya
غسان عثمان: يتحدث عن أبعاد الوضع السوداني بشمولية:
• https://youtu.be/brvvzUwmygc?si=excuIDynUGYL7kee
غسان عثمان في بودكاست آخر:
•https://youtu.be/sNdpKc9kjHM?si=H7YJsorzYx5uS3Ms
مقال شامل على سبستاك:
https://open.substack.com/pub/manelmn/p/bf9?utm_source=share&utm_medium=android&r=67i6k6
•




