آخر جزء
أسطورة الاستغلال.. عندما تخون المصطلحات أصحابها
إلياس3: “بما أن العين ليست حصرية للرؤية فقط، إذن الإبصار ليس فطرة، بل هو استغلال لشبكة الأعصاب؟”
العين عضو حسي أساسي، المسار القشري هو مسار قشري.
الإبصار حاسة أولية ذات مستقبلات مخصصة.
الموسيقى ليست حاسة بل نمط تنظيم ثقافي للصوت.
إلياس3: "حين نجد مجموعة من الخلايا العصبية تستجيب للموسيقى بقوة هائلة ونشاط كثيف، بينما تكون استجابتها للكلام شبه معدومة كما أظهرت الدراسة التي بيننا، فهذا هو التعريف العلمي لمصطلح التخصص الوظيفي.”
بسملة2:" ركز جيدا،خصائص راسخة في تنظيم القشرة السمعية، فالفصل تنظيمي وظيفي لا أصلي تطوري."
إلياس3: "الدماغ عضو اقتصادي جداً، لا يبني طرقاً سريعة ومسارات تفضيلية لشيء هامشي أو دخيل. وجود تفضيل قوي للموسيقى يعني أنها فئة أصيلة في نظام التشغيل البشري."
بسملة 3: “كلامك يبدأ سليما حتى تقفز إلى الاستنتاج المتسرع، الموسيقى متوافقة بعمق مع البنية العصبية البشرية، لكن هذا لا يعني بالضرورة مُبرمَجة كوحدة مستقلة منذ الأصل.
إلياس3:"تأملي هذا الدليل جيداً، فهو المسمار الأخير في نعش نظرية الاستغلال”
بسملة2:"أحسنت، كما تقول نظرية الاستغلال الحسي ليس كما أقول أنا وهنا أنت بنيت حجة ثالثة ورددت عليها ليس حجتي.”
إلياس3: ”فإذا انهارت غرفة اللغة، يجب أن يموت الضيف وصاحب البيت معاً"
" ولو كانت الموسيقى مجرد سماع عام، لكان فقدانها يعني بالضرورة فقدان جزء من السمع أو اللغة.”
بسملة3: ما ينهار في الأموسيا هو الحس بالموسيقى بمعنى في مثالك هذا الضيف، فلماذا يسقط البيت إذا مات الضيف؟ ولم يتضرر السمع إن لم يستمع إلى موسيقى؟
بسملة 3: اللانغمية لها أنماط نمائية ومكتسبة لا تثبت وحدة تطورية مستقلة، بل خللًا في التكامل الشبكي.
أولا عن المخدرات:
إلياس3: ”حين قارنتِ تأثير الموسيقى بتأثير الإباحية والمخدرات
هناك فرق شاسع بين من يقتحم البيت بكسر الباب كالمخدرات، وبين من يدخل البيت بمفتاح معقد كالموسيقى.”
بسملة2: "ووضعي لها مع المخدرات لم يكن تشبيها بيولوجيا لهما كمادتين، بل كونهما منشطين لدوائر المكافأة واللذة في الدماغ، ولم يكن حتى تشبيها بل قلت أن دوائر المكافأة تتنشَّط ب… وذكرت بينها الموسيقى والمخدرات، وهنا أنت انتقلت من قلب الحجة لتضرب هامشا لم يحضر بهذا المعنى. فما قلتُه كان أن تنشيط هذه الدائرة هو المضر، ولم أتكلم أبدا عن تأثيرهما في إتلاف الدماغ، ولا عن الجانب الخلوي، وهنا كلامي:
“ لقد تكلمتَ عن كيفية تنشيط الموسيقى لدوائر المكافأة واللذة في الدماغ التي يتم تنشيطها استجابة لمحفزات كالطعام والجنس، أو حتى العقاقير المسببة للنشوة. لكنك أغلقت الباب بكونها آمنة. لكن ما الذي يجعلها آمنة إن كانت تطلق دورات دوبامينية مشابهة لما يُرى في تجارب المتعة؟ هل لأنها ليست كيميائية؟ هنا أقول أن لا كيميائبة الأمور لا تجعلها آمنة، وقولك أنها طبيعية هو أمر سأرد عليه فيما بعد.
الخلاصة هي أن كون الموسيقى ترتبط بقوةٍ نفسية تُسهل التكرار و«الاعتماد السلوكي» يجعلها ذات ضرر.”
ولم أقل يوما أن الموسيقى دون فائدة. بل قلت حرفيا:
“ وبهذا، فهي ليست لا إيجابية أو سلبية بحد ذاتها، لكنها يمكن أن تكون كذلك وفق السياق، النوع والشخص. لذا نحن لا ندرس جنة وإنما مادة.”
لذا فهذه حجة على أمر لم أقله ولم يحضر في مقالي، وأظن حجتي في المقال الأول كافية ووافية وأنت لم تسقط شيئا من الحجة الرئيسية وإنما بنيتَ شيئا بنفسك وأسقطتَه.”
عن الإباحيات:
إلياس3: أن تساوي بين سيمفونية تتطلب تشغيل قشرة الدماغ كاملة، وبين فيلم إباحي يخاطب الغريزة الدنيا، لمجرد أن كليهما يفرز الدوبامين، هو كمقارنة متعة حل مسألة فيزيائية معقدة بمتعة أكل قطعة سكر. شتان بين الثرى والثريا الأولى ارتقاء بالعقل، والثانية استهلاك للجسد
بسملة2: "الموسيقى تحفز مناطق في الدماغ، نعم. ولكن هذا لا يعني أن لها غرفة حصرية هناك.
وهنا سأقابلها بالإباحيات: فالأبحاث تقول أن الإباحيات تحفز مناطق لا تكون محفزة بذات الشدة في غيابها، ولكن هل هذا يعني أن الإباحيات لها غرفة خاصة لها في الدماغ؟ هل هذا يعني أنها خاصة او طبيعية، أو أنها أساسية في التكوين البشري؟"
بسملة3: حين يقول الشخص أ للشخص ب أن لون البيض يشبه لون الثلج، هل يقول الشخص ب كيف تساوي البيض بالثلج؟
هل قال الشخص أ أنهما متساويان؟
ما قلته هو أن كليهما يحفزان مناطق معبنة، بل ولم أذكر حتى الدوبامين ( لا أدري من أين تستمر في تخيل كلام لم أقله) وكنت أنت من قال سابقا أن وجود منطقة خاصة يعني أصالة وفطرية الموسيقى، وأنا قلت أن الإباحيات تحفز مناطق خاصة، فلم ليست فطرية؟
الفرق كان كمي/سياقي لا جوهري بنيوي بينما ها أنت تقدم فرقًا أخلاقيًا لا فرقًا عصبيًا قابلاً للقياس.
إلياس3: الطفل الرضيع، الذي لم يتعلم ثقافة ولا صناعة، يهتز للإيقاع في مهده، وتنتظم دقات قلبه مع التهويدة
بسملة1: "أظن علينا تعريف الموسيقى أولا وهي:
“ فنٌّ منظَّم يقوم على ترتيب الأصوات والصمت عبر الزمن وفق علاقات محدَّدة من الإيقاع، واللحن، والتناغم، بهدف إحداث أثر جمالي أو تعبيري أو انفعالي في الإنسان.
ليست الأصوات وحدها موسيقى، بل الطريقة التي تُنظَّم بها، وتُقاس، وتُكرَّر، وتُخالِف، داخل بنية زمنية واعية.”
وبهذا فلا يمكنك قول أن استجابة الرضيع لنبضات القلب دليل على أننا نخلق منجذبين للموسيقى، فالموسيقى هي من جاءت آخرا، حيث أنها تعتمد على الإيقاعات، والإيقاعات موجودة في كل شيء: وقع الأقدام، عقارب الساعة، انسكاب المياه... لذا فالتشبيه غير صائب ويقع في التعميم، فالإيقاع واللحن والتناغم موجود قبل “الموسيقى” أي قبل أن تظهر اللفظة حتى: في انهمار المياه، صوت الشلال، زقزقة العصافير، حفيف الأشجار… فليس كل إيقاع موسيقى بل كل موسيقى تقوم على إيقاع.
وما نستنتجه هنا هو أن الموسيقى جاءت مستغلة لما هو موجود بالفعل، فإن الإيقاع والنغمات الطبيعية لا تقتصر على الأقراص والألبومات ولا الموسيقى ضمن أغاني الفنانين، بل إن الموسيقى البشرية قد جاءت مستغلة هذه الجزئيات الطبيعية، وهذا لا يجعلها بالضرورة طبيعية أو فطرية بحد ذاتها، فمثلا العنب طبيعي وغير محرم في ذاته، لكن حالته الخمرية محرمة، وهنا ستقول لكن المادتين مختلفتان وأنا لم أقل أنهما تتشابهان بل أقارن المبدأ، وهو أن إنشاء أمر ما بناء على معطيات طبيعية أو حلال لا يجعل من الأمر الذي تم إنشاءه طبيعيا أو حلالا بالضرورة.
فلا يمكنك تبرير الاستجابة لأمر مكون أو مصنع بالاستجابة الفطرية للأصل والطبيعي. فالأمر أشبه بأن تبرر أخلاقية القنبلة الذرية، بأن الذرة عنصر طبيعي.
البناء على عناصر طبيعية لا يمنح الناتج صفة الطبيعية أو المشروعية
إلياس3: وأخيراً، وقفتِ ساخرة أمام فكرة البقاء والانقراض، وسألتِ: إذا هجم قطيع ذئاب، هل يغني الإنسان؟ هل يعزف؟ والجواب العلمي والأنثروبولوجي هو: نحن لم نغنِّ للذئاب يا صديقتي.. نحن غنينا لبعضنا البعض لنصبح كتلة بشرية واحدة قادرة على سحق الذئاب. القبائل التي رقصت وغنت معاً، أفرزت أدمغتها هرمونات الترابط مثل الأوكسيتوسين، مما جعل أفرادها يثقون ببعضهم، ويحمون ظهور بعضهم في المعارك. الموسيقى لم تكن السلاح المادي في يد المقاتل، بل كانت الصمغ الروحي الذي حول الأفراد المتفرقين الخائفين إلى جماعة قوية متماسكة. لولا هذا التناغم، لأكلتنا الذئاب فرادى.
بسملة2: "لا شك في أن للموسيقى أثرا في التماسك الاجتماعي وتقريب الثقافات، ولكن هي بلا شك ليست جوهره ولا حاميتنا من الانقراض."
"وقولك: “القبائل التي لم تملك هذا الصمغ الموسيقي تفككت وانقرضت لعدم قدرتها على التوحد عاطفياً.”
المصدر؟ الانقراض لا يُعزى إلى عامل واحد فقط، صحيح أن الموسيقى تُعد عاملاً مُساعِدًا لكن ضمن شبكة أوسع (اللغة، الطقوس، القرابة، البيئة، غريزة البقاء…)"
الفقرة الأخيرة:
“الدماغ البشري بنى غرفة للموسيقى، وفرش لها مسارات عصبية خاصة، وميزها عن ضجيج الكلام والأصوات. والمنطق يقول: أنت لا تبني غرفة في منزلك لضيف لا تتوقعه، ولا تمد شبكة كهرباء لجهاز غير موجود. وجود "القابلية الموسيقية" كبرنامج مستقل في العقل البشري، يثبت أن الموسيقى ساكن أصيل في تكويننا”
بمعنى:
انتقائية قوية ← تخصص ← أصالة فطرية
هذا غير صحيح علميًا، وأظن الشخص المخطئ في قراءة الأبحاث هو أنت. فإن كان كلامك صحيحا فلماذا كانت في نهاية البحث السابق النتيجة أن هناك منطقة إنتقائية للموسيقى، بينما كانت أسئلة عن وجودها منذ الولادة وما إلى ذلك مجرد أسئلة ولم يقولوا أن الدراسة تبرهنها؟ وهنا افهم المبدأ: الانتقائية والتخصص الوظيفي لا تعني الفطرية ولا الأصالة.
القراءة، الحساب، قيادة السيارة، الكتابة، كلها تُظهر:
selective pathways
دون أن تكون فطرية تطوريًا.
أظن علينا إيضاح بعض الأمور:
الفطرية:
تشمل الأدلة التي تدعم كون السمة فطرية وجودها منذ الولادة دون تعلم، وقابليتها العالية للتوريث من الدراسات الجينية، وظهورها المتسق عبر بيئات متنوعة. تميز هذه المعايير السمات الفطرية عن تلك التي تتشكل في المقام الأول من خلال الخبرة.
الآن ستقول أن الرضيع يستجيب للإيقاع وما إلى ذلك، لكن ما أقوله هو أن الإيقاع ليس موسيقى بل الموسيقى قائمة على إيقاع. ولو قرأت ما كتبته جيدا لفهمتني منذ المقال الأول.
وهنا أقول أنه لا يمكنك القفز من بحث يقول أن هناك منطقة تعالج الموسيقى إلى انها جزء في تكويننا في حين البحث نفسه قد قال:
خاتمة:
بصراحة انزعجت قليلا من تكرار نفسي للمرة الثالثة، حيث تم تجاهل الكثير من كلامي وإعادة تحوير بعضه.
أما عن المراجع التي أدرجتها ونتائجها فأنا لم أنفها يوما وقلت أن للموسيقى منطقة معالجة خاصة. ما نفيته أنا هو قراءتك الخاطئة واستنتاجاتك، فالبحوث نفسها لا تقول هذا كنتيجة. أنا أقول لا تحمل الحجة أو الدراسة ما لم تحمله.
مقالك الأخير لم يفند شيئا بل مطط الأمور، أعاد تأويل الحجج أو بالأحرى أمسك بالأمثلة الجانبية دون سياق وحولها إلى حجج عظيمة ثم أسقطها.
مادة النقاش ثرية، واستمتعت وأنا اناقشك خصوصا في البداية، ولكن عتبي الوحيد هو على تجاهل حججي.
وبالمناسبة أنا أستمع للموسيقى.
مراجعي، هي ذات المراجع السابقة، حيث أن النقاش لم يتطور ابدا، بل وقع في التضليل.
الأمر جديد الذكر الوحيد هو الأموسيا، وهي اعقد مما صورتها:
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0028393224001751?via%3Dihub





"وبالمناسبة أنا أستمع للموسيقى."
غريب جدا أمركما، أقدر نقاشكما في "العلم" وأقدر حجج بسملة القاطعة وأستغرب من عنادكما. لكن سواء كانت الموسيقى شيئا نافعا أو ضارا، سواء كان لها غرفة خاصة في الدماغ أو لا، ما فائدة معرفة كل هذا إذا جئنا يوم القيامة ونحن نرجف بعد رؤيتنا لجبال الذنوب والسيئات التي سببها الموسيقى؟ ما الفائدة إذا كنا سنحترق في نار جهنم؟ ماذا سنستفيد بالله عليكم؟ ما فائدة كل هذا العلم والوعي والمنطق إذا لم نكن سنرتاح بعد الموت؟
المزعج في الأمر أنكما مصران على شرح وجهات نظركما لكن دون إجابة شافية في النهاية، هل الموسيقى حلال أم حرام؟ نريد أن نعرف، وإلا فماذا سنستفيد من معرفة علاقة الموسيقى بالدماغ؟ وإذا لم تكن إجابة هذا السؤال لديكما، فكما تعبتما في البحث عن معلومات علمية، اتعبا قليلا في البحث عن أقوال أهل العلم الثقات ونقلها بمصداقية. فإنه من المزعج حقا تهميش أمر هام كهذا.
ما لفت انتباهي هنا ليس الجدل حول الفطرية — فهذا مسار معروف — بل تلك اللحظة التي تسألين فيها: "لماذا يسقط البيت إذا مات الضيف؟"
هذا السؤال يحمل ثقلاً أكبر مما يبدو. لأنه في جوهره سؤال عن العلاقة بين الوظيفة والهوية: هل الشيء هو ما يفعله، أم ما صُمِّم له؟ الدماغ يبني مساراتٍ للقراءة — وهي ليست فطرية قطعاً — لكنها تصبح جزءاً من هويته العاملة. فهل "الأصالة" مسألة أصل، أم مسألة اندماج؟
ربما هناك طبقة أخرى: نحن نفترض أن السؤال "فطري أم مكتسب؟" هو السؤال الصحيح. لكن ماذا لو كان الدماغ البشري نفسه لا يعترف بهذا التقسيم؟ ماذا لو كانت "الفطرية" مجرد استعارة نفرضها على نظام لا يعمل بمنطق الغرف والضيوف أصلاً؟
سؤال يطرح نفسه: حين نقول إن القراءة "ليست فطرية"، ونقولها بثقة، ألا نفترض ضمنياً أننا نعرف ما الذي يجعل شيئاً ما فطرياً؟ من أين أتى هذا اليقين؟