لا رجلَ في الخارج
وأنا في طريق العودة إلى البيت هذا المساء بعد يوم متعب.
وبينما أعد الخطى، وأحسب الحركات التي علي القيام بها طيلة الطريق المؤدي إلى البيت قبل أن أرتمي على السرير أخيرا: إذ تنتظرني انكماشة في القطار، وقبضة محكمة على الحقيبة، عيون يقظة لكل حركة في الجوار، كل حركة ذكر، حتى إن رفع يده ليمسح أنفه… كل حركة قد تمثل تهديدا.
وبعد انتظار طويل في المحطة، أتى القطار، ولمجرد صعودي، واكتنازي مكانا ضيقا بعيدا عن الذكور للوقوف، قفزت إلى أذني عبارة أعادت فرض نفسها عدة مرات ما جعل من المستحيل إفلاتها أو تجاهلها من قبل الركاب، صوت نشز يستمر في استفزاز الآذان يصرخ : "لا وجود لرجل على متن القطار".
لم يلتفت إليه أحد في البداية، لكن هذا القائل استمر في عرض نشازه، بينما ينفث أنفاسه القذرة نحونا، مستفزا الأفواه.
الجميع فهم العبارة، واختار تجاهلها من غبائها طبعا، لكنه استمر بترديدها، وكأنما يفاخر بعلم أو قضية.
قال كلامه بمعنى أنه وفي هذا الوقت المتأخر (قبل آذان المغرب بلحظات قليلة)، يعج القطار بالنساء، فيال هذا الزمان المنحط والفاسد الذي وصلنا إليه، لقد فلتت بنات حواء.
لكنني أظن ولغبائه مجددا، لم يلاحظ أنه ينتقد نفسه والفئة التي تتبعه بهذا، إذ فعليا أين الرجال؟ (بصراحة كان يبالغ إذ كان هناك رجال أيضا، لكن مقصده واضح). مع ذلك إن سرنا مع منطقه، ففعليا لماذا لا وجود لرجل هنا، أليس هذا وقت الذروة، وقت عودة العمال من العمل؟ أو ربما لأن الرجال اختاروا ألا يعملوا، فهم منهمكون الآن في النوم أو التسكع في زوايا الشوارع، وربما لهذا السبب خرجت نسوة بيوتهن، فلا مال موفر ولا شيء ليؤكل، وربما أيضا سيعود هؤلاء الرجال إلى البيت في وقت متأخر من الليل —أو ربما هم هناك بالفعل— ليطلبوا من أختهم أو والدتهم مصروف الغد؟
وربما الربما ليست ربما بل حتميةً واردة في حالات عديدة.
صرفتُ نظري عنه لتستقر عيني على النساء الجالسات حولي، اللاتي تظهر عليهن علامات الشحوب والتعب مثلهن مثل نظرائهن من الرجال، وهو أمر طبيعي ومتوقع جدا بعد يوم طويل من العمل، الدراسة، أو الكد.
لم تأتني فرصة الرد، ولم أكن لأرد على هكذا سخافات للصراحة حتى لو واتتني الفرصة، لكن سبقتني مجموعة من النساء في وضع الموضوع بوضوح على الطاولة وتفكيك أبعاده، أجابت واحدة بعبارة: تعال واصرف عليهن جميعا ولن ترى أثرهن مجددا.
وإحداهن قالت: لم نخرج رفاهية او حبا في لكد والتعب، فكل مفصل فينا يصرخ ألما، وطبعا كنا لنفضل ان نستريح بدلا من أن نكدّ طيلة اليوم من أجل اللقمة.
وعقبت على كلامها أخرى بأنه في وقتنا هذا وفي بلدنا بالأخص، يعمل كل من الزوج والزوجة وبالكاد يتمكنون من سد الحاجيات.
ثم أخدن يتداولن أحاديثا مفادها غلاء الأسعار، وبأن السترة الشتوية العادية تساوي راتب أحدهم، وهكذا...
بصراحة، لم أتأثر كثيرا بهذا الكلام القبيح، لكنني حاولت وضع نفسي مكانهن، نسوة من الجيل القديم، وقد كان لهن النصيب الأكبر من الشقاء، الانتقاد، والقذف من طرف أبناء وطنهن. ربما بالنسبة لي أنا صغيرة العمر، وبالرغم من أن المدافع لا تزال موجهة قبالنا كنسوة، لكنني وكبنت هذا الجيل أكثر لامبالاة بهذا التيار الجاهل، الذي يقذف النساء ويمارس اضطهاده عليهن. لكن بنات الأجيال السابقة لم تكن لهن رفاهية اللامبالاة حقا. بل ولم يخرجن رفاهية أو رغبة في المحاربة، وبالنظر إلى ما يواجهنه من اضطهاد وتجاوزات لخروجهن، تفهم أنهن فعليا اخترن الخروج لحاجة ماسة.
على ذلك الغبي الذي وصلتني رائحة التبغ اللاذعة المصادقة لصفار أسنانه إلى أقصى القطار، لن أتحدث عن هيئته المتمايلة الفوضوية، ولا عن أن من الواضح أنه سيكمل سهرته منتشيا بالأقراص والشراب في أحد زوايا الحي، من المصروف الموفر من طرف أمه أو أخته ربما، أو الذي كسبه من هذه التجارة إن كان أكثر فاعلية في الميدان. إذ لا أظنه يستحق كلمة واحدة أو عُشر حجة، فمرآة طويلة توضع أمامه ستختصر كل الردود.
لكن مع ذلك سأقول أمرا ما بشكل مختصر:
أولا، غالبية المجتمع الجزائري من الطبقة الكادحة، وخروج المرأة للعمل ليس رفاهية وإنما حاجة، ففي أغلب الأسر ومع التردي المستمر للأوضاع، لا يمكن لأغلب الآباء توفير حياة كافية لبناتهن ماديا لفترة طويلة، بل وإن أغلب الأسر تستثمر في بناتها وأبنائها ليعينوهم على صعوبة الحال.
وإن تحدثنا عن الزوج، فالرجل الجزائري البسيط وفق تنظيمات الحياة التقليدية، أي شخص درس أكمل جامعته وتحصل على عمل بمجرد أن تخرج (هذا أفضل سيناريو حياة هنا)، هذا الشخص باعتبار أن ليس لديه أساس مادي داعم، فسيبني حياته بتوتر وضعط براتبه الشهري الذي إن أخدنا أحسن الأحوال سيكون في مجال الستين أو السبعين ألف.
أولا سيعيش في ضغط يومي لتوفير الأموال، لشراء سيارة، المهر، مصاريف الزواج، وبعد الزواج عادة ما يتوجه إلى الكراء، وسيفني سنين عمره في طريق الحصول على منزل، هذا دون التحدث عن مصاريف الأبناء، دراستهم… أتكلم هنا عن أحسن سيناريو والذي ليس بذلك الشيوع حيث أن الكثير من المتخرجين لا يجدون عملا في مجال دراستهم، كما أنه في هذا البلد هناك راتب للخمول، وضريبة للدراسة.
فتناول موضوع عن المرأة هنا يعد من أغبى التوجهات.
حيث أن انتقاد خروج المرأة للعمل في الجزائر اليوم هو جهلٌ اجتماعي محض، لأن مناقشة الخراب الاقتصادي يسبق أي نقاش نظري آخر.
والآن لننتقل إلى عمل المرأة كرفاهية، وهذه الفئة تمثل في الجزائر الأقلية، لكن قبل هذا هناك تيار يشارك التيار الأول الغباء ذاته، حيث يفرض الزوج او الأب والأخ على الفتاة عدم التوجه نحو ميدان العمل بحكم أنهم سيلبون احتياجاتها، كلام جميل، أليس كذلك؟ ولكن ماذا لو أخبرتك أن هذا الشخص المعيل بالكاد يسد حاجياته، بل وحتى إن توفرت لديه المادة فترى مفهومه للنفقة هو أن يعطيها مصروفا شحيحا ينتهي عند أول متجر رخيص، بل وحتى الطعام الموفر لها ليس فاخرا، بل وإن الحياة التي قال أنه سيوفرها لها تكاد تكون أقل من البسيطة... لكن لا تحكموا عليه فربما قصد بتوفير الحاجيات أن يوفر ما يضمن لجسدها إمكانية العيش، التنفس وتأدية الوظائف الحيوية الأساسية، طبعا ليس الحاجيات الفاخرة كالبروتينات والفيتامينات... فقط ما يكفيها لتستمر في التنفس.
وهذه الفئة ترى أن على المرأة الانكماش في مقدوره المالي، فترضى بالشحيح لتكون امرأة صالحة.
أما الفئة القادرة فعلا وغير البخيلة والتي أعيدها للمرة الألف تمثل الأقلية، فهنا لدينا حوار، هنا لدينا نقاش حقيقي في المسألة، فإن أخبرَنا هذا الأخ أنه لا وجود لرجل هنا.
سنقول له : ما دخلك، ما يعنيك هو شأن زوجتك ونسوة عائلتك، فإن كنَّ في الديار، نم وارتح بدلا من أن تحشر أنفك في مسائل غيرك. وستكون إجازةٌ قصيرة لك في مكان فاخر انت معتاد على ارتياده، أفيد لك من انتقاد حالات لا تدري عن خلفيتها شيئا، ومحاولة اخضاعهن لوجهة نظرك الضيقة، فأقولها للمرة الألف: نحن لا نقارِن أشخاصا، أو حالات، وإنما عوالم بأسرها: محتومية القدر، حيثيات الوضع الفردي، صراعات الشخص، جيناته، ابتلاءاته ونعمه، طبيعة علاقاته، محيطه، بيئته، وحالته المادية، حالته المادية، حالته المادية.
كلامي جاء ككلام عفوي ردا على الذكر، حتى أنني لم أنزع عني ثيابي بعد او أتحسس دفء الفراش، هذه ليست مناقشة أو تناولا موضوعيا للمسألة وإنما هو رد على ما حدث، لذا ما كتبته هنا لا يشمل نقاط الموضوع أو المسألة بأكملها وإنما فقط زوايا الموقف الذي تعرضت إليه. (هذا لا يعني أن كلامي منفعل أو مزاجي، بل أقف خلف كل كلمة كتبتها)
أعيدها للمرة الأخيرة، أملك رأيا عن المسألة ولم أدرجه، ففقط تحدثت عن الموقف وعن الشخص وفئته، هنا انطباعي عن الموقف لا مقال فكري... فلمن يريد مناقشة الموضوع بمنطقية وبأدب واحترام، أهلا وسهلا، لكن لمن سيصدع رأسي بعبارات: ليس جميع الرجال هكذا، أو لم تهاجمين الرجال؟ كلامك متحيز وو... رجاء، رجاء ابتعدوا عني فاللي فيني مكفيني.
لذا للفئة التي أقابلها باستمرار مستفز، والتي يمثلها هذا المثال: حين أكتب عن الحرف "ألف" وأنه حرف أبجدي، له حركات مختلفة، وطرق كتابة تتغير على حسب موقعه في الكلمة... يأتيني هذا الشخص ويقول لي: “لكن حرف "التاء" حرف أبجدي أيضا”.
بصراحة أحس برغبة في شنق نفسي كلما قابلتني هذه الفئة، هل قلتُ يوما بأن الألف هو الحرف الوحيد؟ بأن لا وجود لحرف التاء؟ بأن التاء ملعون مريد؟
وما أريد إيصاله هنا هو أن أي موضوع له تشعبات وتفرعات عديدة ولا يمكنني تلخيصها جميعها في نص، إذ أنه حتى المقالات الفكرية تخضع لاتجاه، لسؤال ولوجهة نظر، فأن تناقش ما كُتب في إطار درب النص ذاته هنا تعد مشاركتك مثمرة، لكن أن تأتي وتناقش طريقا لم يدرجه الشخص وتبني موضوعا لم يثره أو يشر إليه، هنا أنت لا تناقش وإنما تضبب مسار الأفكار. (أتمنى أن تكون الفكرة قد وصلت )
إلى اللقاء سأذهب أخيرا لأغير ملابسي، وأتخلص من رائحة التبغ التي التصقت بي.




مواطنة جزائرية مثلك أنا ، و كل حرف كتبته كان في محله و لا أظن إن هناك من سينكر حقيقة الواقع و العصر الذي نحن فيه، فالنساء تكدح و الرجال تمرح حاشا البعض .
جذبني طرحك منذ العنوان. الفكرة التي تناولتها حقيقية وواقعية إلى أبعد الحدود. هناك فئة واسعة من الرجال تلقي كل إخفاقاتها على المرأة، وكأننا نحن سبب ابتلاء هذا الكوكب.
حين أحاول فهم هذه العقلية، أجد أنها ناتجة غالبًا عن "نقص داخلي" . تخيّلي رجلاً تربّى على أنه '' أفضل'' من المرأة في البيت والمجتمع والثقافة، ثم يصطدم بواقع اقتصادي قاسٍ: فقر، بطالة، فساد، غياب الفرص، وغياب أي تقدير للكفاءات الفردية.
في مثل هذه المجتمعات، يبدأ الناس بالانكماش على أنفسهم، ويتحوّل القمع إلى وسيلة تعبير. ولهذا نجد مستويات عالية من التشدد والغضب والقهر داخل الأسرة والمجتمع.
هذه المجتمعات تعمل وفق هرمية صارمة:
من في الأعلى يقهر من تحته، وهذا بدوره يقهر الأدنى منه… وهكذا حتى نصل إلى أضعف حلقة في السلسلة، وهي المرأة.
المرأة تصبح الهدف الأسهل للقهر والتحجيم والعنف، ليس لأنها تستحق ذلك، بل لأن الرجل المقهور يبحث عن أي مساحة يمارس فيها سلطة ما… والمرأة للأسف هي المساحة المتاحة.
هذا تفسير، وليس تبريرًا.
النساء في الماضي كن محصورات في دور اجتماعي ضيق: الإنجاب، الخدمة، الإنتاج داخل البيت، دون تعليم أو وعي بالذات. كنّ يُعاملن كأدوات داخل الأسرة والمجتمع، مما أدى إلى طمس كامل لهويتهن الفردية.
ولو كان مجتمعنا مجتمعا "حقيقيا"، لكان واجه مشكلاته الاقتصادية وأزماته البنيوية، بدل أن يدفن رأسه في الرمال ويلقي اللوم على النساء.
لكن عندما يكون المجتمع في " أسفل الدرك"، في الوحل _ كما تتصارع الخنازير في الطين _ يصبح كل فرد يحاول الصعود بقمع الآخر. في بيئة كهذه، لا يمكن أن يكون هناك تطور أو وعي.
وأوافقك تمامًا بشأن النقطة الاقتصادية: البطالة والفقر المتزايد دفعا النساء إلى العمل، ليس كترف، بل كضرورة للبقاء. ومع ذلك ما زلنا نتعرّض للاستغلال والمضايقات والمشكلات.
والمفارقة أن بعض الرجال الذين يهاجمون النساء العاملات هم أنفسهم غير قادرين على إعالة أنفسهم فكيف سيعيلون بناتهم أو زوجاتهم؟!
إنه كلام بلا معنى.
شخصيًا، أرى أن استقلال المرأة الاقتصادي ضرورة ليس فقط لمواجهة الواقع، بل كي لا تبقى تحت هيمنة أحد. المال ليس رفاهية؛ إنه شرط أساسي للحرية الإنسانية. وعندما تفقد المرأة استقلالها المالي، تصبح خاضعة بالكامل لمن يملك الموارد ( سواء كان زوجًا أو أبًا) وهذا يفتح بابًا واسعًا للظلم.
هناك نقطة مهمة أيضًا: بعض النساء يعتقدن أنهن “لا يدفعن الثمن” عند اختيار البقاء في البيت. لكن الحقيقة أن الثمن موجود، فقط ليس ماديًا.
الثمن يكون في:
-فقدان المكانة داخل البيت
-غياب الكلمة
-اعتماد كامل على شخص آخر
-هشاشة الموقف الاقتصادي
- وفقدان الذات تدريجيًا
ولهذا فإن الاستقلال (حتى ولو كان بسيطًا) أمر أساسي لحياة المرأة في أنظمة غير عادلة كهذه.