الشرّ أهوَن من الضّعف.
إن الضعف غير الواعي قد يكون أشد إنهاكا عاطفيا من الشر الواضح، لأنه يضعك باستمرار في منطقة رمادية؛ لا تستطيع أن تكره الشخص تماما، ولا أن ترتاح معه تماما.
وهذه المنطقة الرمادية تحديدا تستنزف الإنسان أكثر من العداء الصريح أحيانا.
أسوأ الأنماط الشخصية التي مرت بي في حياتي، لم تتلخص في الشخص السيء أو صاحب الأخلاق والصفات الذميمة؛ وإنما ضعيف الشخصية، مهزوز الذات ذو النية “الحسنة”.
حين يكون شخص به سوء واضح، يمكنك تحديده واتخاد موقف واضح منه. لا تكون المشاعر أخف أو سهلة التعامل، ولكنها تكون بقدر أقل من التعقيد ما يجعل النتيجة وإن طال الوصول إليها غير متشابكة الأبعاد. وإن كان التشخيص أوضح كان الحل أكثر وضوحا.
ولكن ضعف الشخصية، يجعل الإدانة الطرفية مستعصية، فلا يمكنك ركن الشخص إلى خانة السوء، مهما بلغت نتائج أفعاله من أذى. لأنك تعرف ضعفه، سذاجته، وأنه في الواقع ذو قلب رهيف، ولكنه ضعيف.
وبالرغم من أن الضعف لا يمكنه حمل صفة بثقل “طيبة القلب” التي تحتاج قوة وعمقا. ولكنه مع ذلك، يتمكن من حملها في البداية قبل أن يبتلعها، ما يجعل الوضع أكثر تعقيدا، إذ لدينا: نية حسنة مع فعل سيء.
هذا النوع من الأشخاص لديه ضعف في الذاتية، فإن حدث له موقف لا يحلله مع نفسه، ويحاول فهم كل الأطراف. بل يقفز مباشرة إلى أذن أخرى ليقص عليها الحكاية، ليس لأنه يحب النميمة بالضرورة، بل لأنه بحاجة إلى من يسانده، إلى من يحدد له كيف يجب أن يشعر ويتصرف، ويؤكد له أنه على الجانب الصحيح. وهو لا يحتاج الشخص كفاعل مباشر في المواجهة فقط، بل كدعم ضمني، فهو لا يثق بأحاسيسه وردود فعله.
فيرتدي ضعفه كوِسام، ويتلذذ باستيطان جانب الضحية. وهنا يصبح اللوم في كل ما يصيبه على كل شخص ما عداه.
فلو سألته: في أي مطعم يريد أن يأكل؟ سيترك لك الخيار ثم يلعنك ويلومك إن لم يعجبه المكان.
وبهذا يعطي زمام حياته وقراراته للآخرين ثم يلومهم إن لم يسيروها بمثاليةمتى حل موعد المحاسبة وتحمل المسولية.
يتمركز داخل هذا الشخص اعتقاد راسخ بأنه طيب القلب، مع أنه شتان ببن الضعف والطيبة.
فالناس بشكل عام لا يخضعون لهذا التصنيف المزدوج المتطرف، حيث يمكن أن تكون طيبا وترتكب أخطاء، بل من المفترض بك أن تفعل.
ولكن، تباعا لضعف في شخصيته، يحرم هذا الشخص ذاته حق التجربة في الحياة، وينزع عنها حِمل أو امتياز التفكير المستقل والاختيار. ما يقلص من إدراكه للحياة وتعقيداتها.
فلِفهم العالم، لا بد من المرور عبر الذات، وإن غابت الذات غابت خصوصية التجربة، إذ أن الإنسان سطحي وبعيد عن كل ما لم يختبره ذاتيا بنفسه.
فالذي لا يختبر قراراته، ولا يتحمل نتائجها، ولا يصطدم بنفسه، يبقى إدراكه للحياة مستعارا من الآخرين. والتاريخ بأكمله شاهد يصرخ بأن الانسان لا يتعلم حقا من تجارب غيره ونصائحهم.
لذا؛ فقيرا من التجربة، تمضي الحياة بفارغ الذات دون ممانعة منه. ففي غياب الإرادة الحرة، يميل الفرد إلى فطرته: غريزة البقاء… تجنب الخطر… الدرب المريح… التنميط العام.
فيظل حبيسا لفكرة أنه طيب. وبهذا، فإن أي مشادة أو توتر مع طرف آخر، يتم تنميطها وفق الاعتقاد: هناك مشكلة في الوسط، فإن كنتُ أنا طيبا —وهو ما لا شك فيه—، فأين يقع الخلل؟
لا بد أن يكون في الخارج.
أنا مطلق الفضيلة، ما الذي يجعل هذا الآخر؟
مخطئا، سيئا، شريرا…
وغالباً ما تتكرر حكايات الأذى والضرر عند هذا الشخص بدور الضحية دائما. ليس فقط لأن حبكة الضحية المتكررة أصبحت هويته، بل وأيضا لأنه يغفل عن تحليل هذه القصص، فهي تكشف ثابتا واحدا رغم اختلاف الأشخاص والمواقف، وهو: ذاته.
هو لا يجذب الممارسات السيئة بالصدفة، بل بالنمط الذي يحمله، ذلك النمط الذي يعيد إنتاج ذات القصص لأنه لم يراجع يوما دوره فيها.
فلا يتعرض للأذى لأن الآخرين سيئون، وتستفزهم طيبته. بل لأن سذاجته، وإرادتها المتنحية يسببان هذا.
كما أن هناك فرق مهم بين:
الشخص الضعيف الذي لا يزال قابلا للمراجعة.
والشخص الذي حوّل ضعفه إلى هوية أخلاقية ثابتة.
الأول قد يخطئ ويتردد وينهار، لكنه قادر على الاعتراف وتحمل مسؤوليته تدريجيا.
أما الثاني فيصبح سجينا لصورة “أنا الطيب”، فيستحيل أيَّ نقد تهديدا لوجوده النفسي، وهنا يبدأ التشوه الحقيقي.
فجوهر المشكلة هو أن هذا الضعف يساهم تدريجيا في إفساد الشخص، نواياه، قلبه…
فلا يظل بريئا، بل إنه سيحاول دون وعي منه حتى، تعويض ذلك الضعف، من خلال إسقاط الآخر بوسائله الضعيفة: فيصوره في عقله كأنه سيء، يعظم عيوبه ويتبنى وسائل فساد نفسي ناعم، غير معلن، وغير مباشر كنوع من المواساة الذاتية.
فإن لم يكن الآخر سيئا ستسقط سرديته، وبهذا هويته، ما سيجعله مضطرا لمواجهة ذاته، ضعفه، عيوبه وأخطاءه، وهو ما لا يمكنه تحمله.
وتباعا للأذى الذي سيُجر إليه بسبب انبطاحاته وتنازلاته ستتفاقم في داخله شبكة مشاعر كريهة مبنية على بغض الآخر. ولأنه لا يمكنه تحمل كلفة إظهار نقمه، يقوم بابتلاعه داخله، ليظهر فيما بعد على هيئة تصرفات “بريئة”.
لذا، فإن تكوين علاقة مع شخص لا يملك علاقة مع ذاته هو أمر خطير، وسيؤذيك حتى لو كنت واعيا بالأمر. بل وإنه سيؤذيك أكثر كلما زاد وعيك به: لأنك تفهمه جدا، وتفهم أن منبع أفعاله ليس سوءا. ترى دوافعه، هشاشته وضعفه… فلا يمكنك حتى اتخاد موقف سلبي منه.
ومع ذلك، عليك أن تعلم جيدا أن غياب السوء ليس حالة دائمة، بل ظرفية، لأن ذاك الضعف سيتخمر تدريجيا ويظهر كفساد داخلي. وهنا لن تكون النية الحسنة دليل فضيلة وإنما عبئا.
فحتى لو كان دون قصد يمكنك أن تكسر… يمكنك أن تقتل.
ضعيف الشخصية، عديم الذاتية، لا يكذب عليك بل على نفسه. لا يؤذيك، بل إن أول من يتعرض للأذى هو ذاته وأنت تتأذى كنتيجة، دون أن يكون السلاح موجها إليك بشكل مخصوص.
في النهاية، لا بد للانسان من مواجهة ناضجة مع ذاته، وقبل هذه المواجهة تصبح أي علاقة يدخلها امتدادا لفوضاه الداخلية.
فالإنسان الطبيعي يستطيع أن يقول: أخطأت، ظلمت، كنت جبانا هنا، تصرفت بأنانية، آذيت غيري رغم أنني لم أقصد، آذيت عن قصد...
أما حين تصبح “الطيبة” جزءا مقدسا من الهوية، فإن الاعتراف بالخطأ لا يعود مجرد مراجعة لسلوك، بل يهدد صورة الذات كاملة.
وهذا التصنيف لا يخضع للثنائية بشكل صارم: “عادي” و”ضعيف”.
بل هي نسب متفاوتة تتواجد عند كل شخص، فتكون بذلك سلوكيات سيئة، عيوبا يمكن تداركها وإصلاحها. لكنها تبلغ أوج خطورتها حين تتمحور هوية الشخص حولها.
وبالرغم من أن تطور الأنماط، وتراتبية المراحل ليست حتميات، ولكنّ تجمُّع كل الصفات في ذات الشخص ليس أمرا مستبعَدا أبدا، بل وإن الضعف غير المُراجَع يخلق وسطا خصبا للتشوهات النفسية، وربما —في بعض الحالات— يجعل الشخص أكثر قابلية للانزلاق نحو الشر.
ولهذا التعامل مع هذا النوع من الأشخاص صعب للغاية، لأنك بدلا من أن تتعامل مع الشخص مباشرة، يكون عليك دفعه للتعامل مع ذاته، إذ أن أمامه رحلة طويلة لإتمامها. وأنت لا يمكنك فعل هذا بدلا عنه، ولا توجيهه في طريقه.
ويصعب الأمر أكثر إن كنت تحمل تقديرا عاطفيا اتجاهه، فتكبلك الشفقة، والاحساس العميق بالفهم والعطف.
فتغض الطرف عن هفواته كأنه طفل صغير في حين أنه كبير كفاية ليواجه ويتحمل مسؤولية قراراته. وهذه الرعاية الزائدة، رغم نبلها، هي في جوهرها نوع من سرقة فرصة نموه.
فحين تغض الطرف باستمرار، أنت لا ترحمه، بل تساهم في إبقائه حيث هو.
وهذا الفخ بالذات؛ أن تجد نفسك عالقا بين فهم عميق لشخص وعجز تام عن مساعدته، هو من أكثر أنواع الإرهاق العاطفي صمتا وفتكا.
فالشر الواضح يمنحك وضوحا، ولو كان مؤلما، بينما الضعف يسرقك من داخلك ببطء دون أن يمنحك حتى حق الغضب الصريح.




مقال رااااااائع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، هذي الشخصيات تستخدم لغة الطيبة لتخضع الآخرين و تسيطر عليهم و تمتص طاقاتهم ، ظاهرهم خير و باطنهم شر، وهم يطورون اساليبهم بإستمرار ، لو خضعت لهم بعد حجة منهم ثم لاحقاً فهمت انهم يستخدمون الحجة للسيطرة عليك سيطورون أساليبهم أكثر حتى لو بكوا امامك ،، سمعت بقصة حقيقة عن اب كان يبكي امام اولاده لكي يعطفوا عليه و يسيطر عليهم،،،، أسأل الله ان يكفينا شر هذه الشخصيات المسيئة
موضوع رائع يستحق المناقشة 🫡