الطفل الذي لم يُرَ
تهويدات النسيان
في كل مرة أشاهد فيها هذا المقطع، أبكي دون أن أفهم السبب أو العلة.
هل تلك الدموع هي لغة ذاكرتي الشعورية الغابرة التي لا تتذكرها ذاكرتي حتى؟
ما الذي تنعيه يا ترى؟ أو ما الذي تحاول إظهاره هذه الدموع الغامضة، التي تجرأت على مغادرة الجفن؟
الدموع ليست بريئة، ولا ساذجة.
هي لا تظهر فقط لتترجم حزنا أو تعبر عن ألم، بل هذه طريقة الذات للظهور، لتوسل العيون.
إنها تنهمر بدل أن تصرخ، للفت الانتباه، لعل يدا ما تذعن لنجواها وتمتد لتمسحها.
فمن لم يجد يدا تمسح دموع فزعه ستعكف الدموع عن زيارة مدمعه بالتدريج حتى تهجره تماما. فما جدوى الزيارة إن لم تجلب أنسا ورفقة حقيقية؟
لكن ما الذي أبكيه أنا هنا؟ أنا لا أبكي عادة فدموعي تمقت مخدعي وسكناي، هي دائمة النفور من زيارتي ولقياي، ولكن لماذا الآن؟
من ذا الذي أريده أن يبصرني وأنا في قاع وحدتي؟
لا عيون هنا لتسمع، فلماذا وحدها تتكلم عيوني؟
هل هو آخر الذي يود أن يبصر عبري؟
هل هي ذاكرتي التي تود مني أن أبصرها؟ أن أمسح عنها الغبار... أو ربما أن أمسحها؟
أحاول حزم مشاعري المتناثرة في زوايا مكان، فأعيد نظري إلى المقطع الغارق في دوامة إعادة التشغيل، لتهبط على عيني مجددا غيمة ضبابية وتأخدني إلى حلم بعيد...
آه كم أود لو أمزق شعري فلا يبقى منه سوى منبته، وأقطع أطرافي الطويلة متخلصة من الزيادات الثقيلة. أتمنى لو تنكمش أعضائي ويتقلص جسدي، أن يُرمى عني الزائد من بدني، ويُحتفظ فقط بما يكفيني ... ما يشكل رضيعة صغيرة.
أريد أن يبتلعني لحاف كبير، لا أكاد أظهر فيه، أن أنسدل بفخر ولامبالاة عند الزاوية بينما يتأملني أحدهم بعناية. أن يحتضنني ويغرق فيَّ، يقبلني دون اكتفاء، أن يقترب فلا يزيده اقترابه إلا رغبة أكبر في الدنوّ مني، حتى يكاد يذوب فيَّ.
أود أن ترقص أطرافي الصغيرة بحرية ومرح، ان تتعالى ضحكة تلقائية مني، ضحكة حقيقية... ضحكة رضيع.
أريد أن يتم رميي في الهواء والتقاطي مجددا، مرارا وتكرارا اطير دون أن ينال مني الملل أو الألم. أريد أن تتعالى ضحكاتي في الفضاء مليئة باليقين، بأنه بعد أن تحتضنني النسمات الدافئة سيستلمني ذراعان قويان بالحضن، أقوى من أن يسقطاني وأحن من أن يرمياني. أريد الطيران في الهواء منتشية بهذا اليقين... يستحيل أن أسقط، سيتم الامساك بي بالتأكيد.
أريد أن يتم تنظيفي بعناية، وألا يبقى مني في النهاية سوى عيون بريئة، وجسد جديد.
ضحكة صادقة، وبكاء معبِّر يتم الاستماع اليه بانتباه، لا قمعه باللامبالاة.
أتمنى، أتمنى...
وعند لحظة ما، يكف الخيال عن أن يكون نفسه، ترتفع حرارة المكان، يبتلع الحلمُ الواقعَ ويقصيه.
لم اعد أتمنى الحلم، أنا أكونه.
تتراقص مخيلتي دون موسيقى، وتسيطر هيئتي الصغيرة على الأضواء.
بلا مبالاة تقف عند مركز المشهد، كل العيون عليها... وكم لا تكترث هي لها.
أضحك عن محاولات الجمع الساذجة في جذب انتباهي، أمسك بلعبتي وأصب فيها كل عاطفتي واهتمامي.
وفي لحظة خاطفة ، تتسلل إلى مسمعي نغمة نشاز.
تسقط مني لعبتي، لأعيد انتباهي إليها مجددا في محاولة لإحكام قبضتي عليها، لكن أصابعي الصغيرة لا تمتثل للطلب.
تستمر اصابعي الضعيفة بالمحاولة، ودون أن أنظر حولي، أنهمك بمحاولة حل مشكلتي بنفسي.
سأريهم أنني أستطيع.
تتحرك أصابعي مقبلة نحو اللعبة، تستمر بالمحاولة، وكلما توشك على الامساك بها... تفلت منها مجددا...
أتمسك بشدة بياقة الحلم وأحاول باستماتة الغرق بعمق بين أغواره... ولكن الذاكرة تأبى أن تتركني لخلاصي، فتقاطعني بشراسة:
دعي عنك الوهم.
ماذا إذا صغر حجمك؟
لا زلت ستظلين أنت
هل تظنين حقا أنه يمكن أن يتم تنظيفك؟
ستبقين دائما أنت.
ستكونين الطفل الذي لا يتذكر أحدهم طفولته، لأن احدهم لم ينتبه له، ذاك الطفل الذي كبر دون عناء، دون أن يجذب الانتباه، الطفل الذي نشأ على تهويدات النسيان، بين أحضان الغياب.
أحاول تجاهلها، ولكنها لا تكف عن فرض نفسها على نظري ومسمعي.
أحاول الهروب منها، وبلا جدوى اسعى، فأين مهرب الذات من الذات؟
أشرد دون هدف، أهرب منها ومعها.
أركض فتركض معي، أتوقف فتتوقف، احاول تمزيقها عني، أعنفها اشتمها لكنها لا تتزعزع.
أتزعزع أنا ولكنها تظل راسخة، كجزء حتمي مني.
وحين يبدو لي أن الانفصال رجاء مستحيل، أستدير اليها نافثة نيرانا من النهر والعتاب:
لكن كيف يكون هذا معقولا؟ ألا يكون الطفل في صغره في أكثر لحظاته جاذبية؟
هو في مهده، يحتكر عرش الصدق والنقاء، كيف يمكن ألا يبدو مثاليا؟
أنى له ألا يجذب انتباه أحد، كيف يمكن ألا يُنتبَه إليه؟
اليس هذا أسوأ من الإهمال في الكبر؟ على الأقل الكبار قبيحون، بهم كثرة من الصفات السيئة التي يمكن أن تبرر هجرهم.
ولكن ما الذي يجعل هجر طفل ممكنا؟
كيف يمكن لإنسان أن يوجد دون أن يُرى؟
كيف يُعدم أحد يومَ ميلاده؟
...
لا، لا يمكن.
الطفل لا يتوسل الحب، لا يستجديه.
الأطفال يُحَبون بالفطرة، لا استثناءات.
غير هذا لا يمكن ان يصِحّ.
...
هذا مستحيل
يتعالى صوتي لكنه يبقى بلا رد.
أصرخ اكثر وأصرخ.
لا رد …
تنهار أوتاري، وقبل أن تعلن استسلامها، تنطلق منها رعشة أخيرة أكاد لا ألتقطها:
هل كنتُ بهذا القبح؟
..
هل أنا بهذا القبح؟



رغم أن الألم شعورٌ فردي يبقى ضمن حدود الذات، حيث لا يمكن لشخصٍ آخر أن يشاركنا الوجع، إلا أننا لا نبوح بمشاعرنا إلا لمن نحب، لعله الوحيد القادر على تفهمنا.
أتمنى أن تجدي هذا الشخص.
أظن أن الأمر لا يتعلق بالإهمال، فكثيرٌ من الآباء يخلطون بين الضعف والعاطفة. يعتقدون أن الاهتمام العاطفي ليس من الرجولة، إنها قيود ثقافية، لكنهم يعبّرون بطرق غير مباشرة (كالعمل، والتضحية، والصمت المطمئن).
ربي عوضها خيرا مما فقدت 😔