نهاية "رحلة"
بدأ كلّ شيء من طقس ممل شرعت فيه في تنظيم هاتفي، كنت منهمكة في حذف كل ما تقع عليه عيني حتى راود نظري تطبيق برتقالي مهمل، بدا مألوفا وغريبا في آن واحد.
وقبل أن أحذفه، طلب مني الفضول أن ألقي عليه نظرةً خاطفةً أخيرةً حتى أعرف مكنوناته، فلا يحقّ الإقصاء عن جهل ودون معرفة.
أضغط عليه، يفتح بسلاسة لأجد أنّ لديّ حسابًا بالفعل. أرفع الشاشة ليُرحّب بي أول مقال — وربما يكون واحدا من أفضل قراءاتي هنا— وبشكل غير معتاد خالجني بعده شعور بعيد، أحسست بعده بعصبوناتي وهي تتزاوج بينها بحماس.
وبشكل غير معتاد أبدا، عصى إصبعي العادة وإذ به يكتب تعليقا، كاد ينشره حتى أوقفتُه بسرعة خاطفة استجابةً لهمس خفيض يطرح الإقتراح:
“لِم لا أفتح حسابا جديدا؟”
لم يكن قرارا عظيما ولا رغبة جامحة، أو حتى مشروعا مخططا له مسبقا. بل كان مجرد نزوة، مجرد خاطرة، خاطرة لم أكن لأعلم أنه سيأتي اليوم الذي ستشكل فيه خطرًا؟
كانت فكرةً عابرةً تلك التي زارتني: “ماذا لو قمت بمشاركة ما أكتبه؟”
لم يكن الأمر صعبا في البداية، فكنت أنشر ما تعفن في ال”نوت” أحيانا، وأحيانا أخرى كان الشعور يباغتني بخاطرة طازجة. وشيئا فشيئا صار التطبيق جزءا لا يتجزأ من روتيني اليومي، وصار النشر فيه طقسا مقدسا وتلقائيا بالنسبة لي.
مع مرور الأيام، لم يصعب الأمر وإنما فاضت الكلمات بشكل غير اعتيادي، صرت أكتب بانتظام، متمردة على التاريخ الذي تجمعني فيه بالكتابة حالة مطرية؟
وما عدا المقالات الظاهرة أو حتى التي كانت غير مرئية للقراء، كان هناك زوار غير مرئيون أيضا. فأثناء ال “رحلة”، كانت تباغتني انقباضات عابرة، انقباضات حاولتُ كثيرا تسميتها بغير مسمياتها وغمرها في سياقات أعلم جيدا بطلانها.
كنت أصم سمعي عن الأصوات التي تتعالى، تلك التي توبخني عند نهاية كل حديث، وبعد كل ضغطة على زر “نشر”. وبالرغم من مساعيّ في صرفها بمراوغات عاثرة— عملت عمل المخدر اللحظي، وإغلاقي الباب بشدة أمام الحقيقة الناقمة. إلا أن العاصفة وبالرغم من تعثرها لحظيا قد وجدت طريقها إلي.
فربما احتميتُ من لبنتها الأولى، من شكلها الخام الأولي التافه، لكنها ما طفقت تتصاعد، تتشذب، وتزداد قوة وثباتا، وهذا الشكل الذي تمكن من وشم صفعته على وجهي، لأستفيق أخيرا من الحلم —الكابوس— الطويل.
كان الجو غريبا ذلك اليوم، والشعور فريدا.
كنتُ قد كتبت نصا كما جرت العادة، ولكن على عكس المجرى المعتاد للأمور كان ما كتبته أول نص بثلاث نسخ مستقلة تحمل الفكرة ذاتها. كنت أغيره باستمرار، محاوِلةً ببؤس إدراج عبارات حامية أختبئ خلفها، تحتها، أوحتى فوقها، غيرت الصياغة ولكن كل نسخة كانت تفضحني أكثر من الأخرى فاشلة في تأدية الغرض من كتابتها.
وأمام آخر نسخة، سقط السحر، وظهر السؤال الفاضح: ما فائدة الكتابة إن لم تكن فاضحة؟ ألستُ أكثر من يعلم أن استبدال الكلمات ينزع عنها صدقها؟
لكن وقبل كل شيء، هل أنا مستعدة لفضحي فداء الحقيقة؟
يغادر السؤال عقلي ليتركني تحت رحمة الجسد.
كان ما زارني في البداية هو مجرد انضغاط طفيف للصدر— ضيف معتاد— لكن ودون سابق إنذار عصفت بالباب عاصفة هوجاء مجهولة المصدر، تنفس سطحي، هواء أسمع صوت ولوجه وخروجه، لكن دون ان أحس به بداخلي. يرتفع الصدر وينخفض، لكنه وبالرغم من تضاد وتمايز االحركتين يصر على التجمد في لقطة واحدة: ينضغط وينضغط وينضغط. يحتقن المدمع، تهيج الأعصاب بينما يتنقل البرد بين الشرايين حينا، وضاغطا بعنف على العروق حينا.
ألتفت إلى الصدر، أحاول خداعه، أحاول إدخال نفس أعمق بالقوة وإخراجه بعمق أكبر، لكن لا إحساس داخلي.
أحاول تحدي الجسد، تشتيته عن ذاته، قهره… لكن ما أضعف الذات أمام الجسد!
فربما امتلأ الصدر فما عاد فيه متسع لاحتضان الهواء. أو ربما... فقط ربما، أدرك الصدر أخيرا أن الأنفاس التي مرت به هي خداع وسراب ، وأن معانقته النسيم لم تكن دليلا على الحرية، وإنما وهما بها، بينما طيلة الوقت قد كان محبوسا في قفص.
أحاول مخاطبته، لكن لا أحد منا يتحدث لغة الآخر، فنجلس كغريبين ملتصقين، منفصلين ومتصلين.
تتحرك أصابعي دون إذن مني وتقوم برقصة ليست غريبة عني، لكنها تبدو غريبة للمرة الأولى: تسجيل الخروج من الحساب... حذف.
يحط علي الصمت بعدها، لأرى عندها ما كان يحاول الجسد قوله متجليا أمامي: لقد فُضحت.
تمر عبر ناظري الكلمات التي كتبتها، المغارات التي سلطت الضوء عليها، لتظهر لي الحياة التي خبأتها بعناية في الداخل واضحة مفضوحة للخارج.
أرمي بالهاتف بعيدا، بينما أعيد تشغيل شريط المنشورات داخل عقلي: “لا بد لي من أن احذف الحساب كليا”.
وقبل أن أمد يدي نحو الهاتف مجددا، ينتشل تركيزي كتاب هزيل يكاد لا يظهر، فلِم يبدو لي الآن وكأنه أكثر الأمور مرئية في الغرفة؟
تطل علي بمكر تلك الرواية التي عشتها أكثر ما فهمتها، الرواية التي صرخ بعدها الجميع بكلمة "حب"، بينما ابتلعتُ أنا عند الهامش صرخة مكتومة وهمستُ "بوح"، قالوا "رومانسية" بينما تمتمت أنا ب "سذاجة فاضحة"، قالوا "التحام"، فقلت "وَحدة"، قالوا "توأما روح"، بينما قاموسي استقرّ عند "ضحايا الفراغ".
أمد يدي نحوها، لا أكاد افتحها إلا لأغلقها مجددا، فلا داعي لقرائتها.
بدت لي كل الكلمات التي تستوطن عقلي وروحي دون حاجة للمرور عبر العيون. فبالرغم من أنني لم أقدم على فعل إعادة القراءة الآن، تستقر عند صدري الفقرة المألوفة المخيفة: "أنا حالم، ليس لدي من واقع الحياة إلا القليل جدا، بحيث إن مثل هذه اللحظات، كالتي أعيشها الآن أعتبرها نادرة جدا، حتى إنني لا أستطيع ألا أستعيدها في أحلامي. سأحلم بك طوال الليل، خلال الأسبوع كله وعلى مدار السنة."
يتخبط قلبي وفق سمفونية متوترة، ولأخفف عنه الضغط أحاول تشتيت تركيزي بتحريك الجسد، وبينما أقوم بتلمس العنوان بحركة غير واعية، تقرأ أصابعي دون إذن مني بارتجاف : "الليالي البيضاء"… وللمرة الأولى يتوقف تفكيري عند العنوان.
يال المفارقة؟ كيف تَبيَضُّ الليالي وهي مطليّة بالحنادس الحالكة؟ هل هي سخرية من دوستويفسكي ممّن ظنّ أنه قدم رومانسية خالصة؟ مِمّن ظنّ أن الرواية تحكي قصة حب مأساوية عابرة راسخة؟
هل هي إحالة إلى اعتباطية الحالم الذي لم يعطه اسما حتى، ذاك الذي نسج عوالم كبرى على صرح خيالي بَدَّدَه أولُ نسيم. ذاك الذي ظن أن في الليالي بياضا، ذاك الذي تجرأ على المستحيل؟
أم أن العنوان حقيقة تصف حالة المُبتغى، كليلة بيضاء جميلة، كحلم مستحيل المنال واقعا... خادعة كاذبة... مضلّلة.
هل عنى ببياض الليالي وَهمَ الحالم في تغيير الليالي، سرابًا يفِرّ به من الحقيقة القاسية، من القدر المحتوم. وإن كان كل هذا وهما، فما هي الحقيقة إذن؟ هل هي أن الليالي ليال ولا مفر من عزلتها القسرية؟ أن الظلام صامد دائم لن يقوى على تدنيسه البياض؟
وبعد افتراضات متراكمة، يغادر تفكيري العنوانُ، منتقِلا إلى استذكار البداية المضطربة للرواية: نظرة في روح انسان حالم وحيد.
كانت الصفحات الأولى تلقي نظرة وقحة على كيانه وفوضاه، بطلنا عديم الاسم زاخر التعاريف، ليتجلى أمامنا في حلّة قد يركُنُها الآخرون إلى خانة الجنون، بينما أنا فوجدتها وصفا لأسلوب حياة، أو بالأحرى أسلوب نجاة.
كانت سلاسل الجمل الأولى تطرق بداخلي أبوابا، وتشرّع علي النوافذ دون إذن، تاركةً إيّايَ فريسةً للرياح و فضول العيون.
كان هذا هو الحال، حتى دخل الكيان الذي لم يشد انتباهي كثيرا، بالرغم من أنه كان ذا اسم.
فوجدتني حفظت من لا اسم له، واعتبرت صاحب الاسم مجرد دعامة جانبية للمشهد الأكبر.
“ناستينكا”، أو كما أسميها أنا "الحاوية". ففي نظري، هي لم تُغيّر الأحداث بدخولها وإنما سلّطَت الضوء على ما هو موجود بالفعل. فلمّا وَجد حالمنا الذي كبت مكنونات نفسه دهرا مكانا يُفرغ فيه روحه، سال دون ضبط أو تنظيم، فصار يقول ما كتمه دهرا ويُسرِف في وصف ما خبّأه بعناية قبلا.
بإسهاب وعشوائية صاغ روحه، ليبدو للقارئِ بمظهر فوضوي، بينما لا أحد يدري معنى أن يعيش المرء حياة وحيدة، وأيما شخص؟ الحالم… أن تتراكم بداخله حكايا الأيام والمواقف، الأفكار والنقاشات، أن يمتلئ الشخص حد الانفجار دون أن يكون له مكان يفرغ ذاته به، مكان يشارك فيه ولو قطرة من مشاعره الهائجة.
ربما ليس الكثيرون سيفهمون هذا، لكنهم بلا شك سيفهمون معنى أن ترمي أخيرا البالون الذي حقنته بالمياه حد الامتلاء، يبدو ثقيلا في البداية، لكن ماذا يحدث له إن رميناه ؟ ينفجر ليترك المكان غارقا في مخلفاته وبقاياه.
أو حتى إن لم نثقل كاهله بالماء، ونفخنا فيه فقط حده الأقصى من الهواء، ماذا يحدث إن ثقبناه، أو حتى إن فتحناه بسلام؟ يندفع منه الهواء بعنف، ويطير بهيجان، ليسقط في النهاية على الأرض خائر القوى، مهملا، فارغا، معدوم الأنفاس.
وهذا ما يحدث حين يفيض الحالم الوحيد.
وبينما تزورني عواطف الرواية المؤثرة، تقتحم تفكيري المراجعات المخيبة للآمال، تلك التي أطفأت فيّ اللوعة الأولى، وشهوة القراءة. ربما كما اطفأ نشر كتاباتي فيّ النار المتقدة النهمة للكتابة.
فكان تركيز الجميع على حبه و”ناستينكا”، لكن بالنسبة لي الجوهر أعمق بكثير، فالبطل لم يحب ناستينكا فعلا بل أحب الحب، وكان داخلُه يفيض بأطنان من العواطف المكبوتة، لذا ناستينكا كانت كخزان للحب، كمتنفس وأداة تفريغ له، كانت حلمه؛ ولشخص عاش وحيدا طيلة حياته، وجود شخص إلى جانبه يستمع له هو بمثابة خلاص، بمثابة… حياة.
أقبّل الرواية برفق بينما أعيدها إلى مكانها المادي، في حين أن كلانا يعلم أنها في الحقيقة تقبع في أحد أعمق المغارات داخلي، فأنا لم اقرأها وإنما قرأتُني، قرأتُني منذ الصفحة الاولى، ولهذا لم أنتبه لناستينكا أبدا، لأنني علمت أنها كانت مجرد وسيلة لتدعيم الحدث الأكبر، مجرد "بياض" ساخر لإلهاء القارئ.
وربما لهذا زارَتني الرواية دون موعد الآن، لتخبرني أنه:
في النهاية، انتهت الرواية، وعلي أيضا أن أنهي الحكاية.
لطالما كان الظهور امتحانا لي، أقف أمامه بين خوف وتوق. ترفع ونهم.
تلك الرغبة السخيفة التي تخالجنا في كل لحظة، الرغبة في أن نظهر... وهنا لا أتحدث عن غرور الأضواء بل عن طغيان الظلال ورغبتها في أن تُكتشف وتُحتضَن ربما.
توقُ دواخلنا إلى الانفتاح، إلى عرض مكنوناتنا، لكي يرى الناس خرابنا، لكي نظهر أننا نتألم، أن هناك جراحا تعفنت فينا لم يرها احد، أن كل السنين التي بدونا فيها صامتين، عاديين، مستمرين، كانت سنينا توقفنا فيها، ودفننا في كل يوم منها جزءا منا، حتى ما ظل فينا ما يمكننا التمسك به.
تتراكم الأحداث، المشاعر، الأفكار، تغيرات الوعي، والمحادثات التي لم تُحدّث أحدا عنها.
وبالرغم من اهتمامك الدقيق بها، واصغائك لها بعناية، إلا أنها لا تكتفي بك، وتصر على أن يراها العالم، أن يعلم آخرون بوجودها. وتعبيرا عن هذا تبدأ بإطلاق عواصف قبال الجسد.
عواصف مسعورة تنبثق منك، ذاك الطغيان العاتي للذاكرة، حين تهجم عليك كل الكلمات والأحداث التي كتمتها ما حييت، التي أخفيتها بعناية، تلك التي لم تخبر أحدا عنها.
تفضح أخيرا هذه العواصف الهائجة ما كان مخفيا تحت الستار، وتعرض أمام العالم الجواب على كل الأسئلة التي كنتَ تطرحها بهدوء في سريرتك.
لكن العاصفة لا تمر دون حساب، حيث تعترضها أصوات مرتعبة تخبرها بأن تصمت، وأخرى ساخرة بأن لا أحد يهتم، بأنها مثيرة للشفقة، بأنها فاضت حيث لم يجدر بها فعل ذلك، وأخرى غاضبة ناقمة تخبرها أن تخرس. لكنها لا تستمع ولا تفهم حتى متى فات أوان الفهم.
خلال هذه الرحلة القصيرة، رأيت هذا، تلك الرغبة في البوح، في المشاركة، في التبرير المفرط، وفي الانخراط مع العالم.
يقول كتاب عديدون أن الكتابة حياة بالنسبة لهم، وصوت. فدُون الكتابة لم يكن ليستمع إليهم أحد، ولم يكونوا ليشارِكوا في العالم، ولا أن تتم ملاحظتهم حتى.
أما أنا، فالكتابة عندي حياة أيضا، لكن من نوع آخر، حياة خاصة ذاتية لا أريد أن يطلع عليها أحد، أو على الأقل حاليا أريد أن أعيشها، أخلدها من أجلي، دون الشعور بحاجة لمشاركتها أو إعادة صياغتها ليفهمها غيري.
لا اختلاف لدي في جزئية الكتابة، ولكن لم النشر؟
ما الفرق الذي يحدثه قلمي بين مواهب متعددة، عقول فجة، وأقلام وهاجة؟
ما الذي اريده حقا بالنشر ولم أفعل هذا؟
وهنا كانت الإجابة هي ما سبقني القلم إلى فضحه أعلاه، الرغبة في البوح ونهمُ أن أُرى بشكل أعمق مما أُظهره في الحياة الفعلية. ولأنني لا أريد أن يسيطر هذا الدافع البائس علي، وأن تضيع رحلتي في السعي نحو إسماع صوتي أو دفع العالم لرؤيتي ... قررتُ أن أتوقف.
فأنا، وبالرغم من تقاطعي مع بطل الرواية في بعض المعطيات، إلا أنني لا أريد أن أسلك ذات الطريق ... وعلى هذا سأترك أنا “ناستينكا”.
ربما ستبدو علي المبالغة. وربما هذا هو الطريق الذي يجمعني بالبطل الحالم للرواية: الشعور المفرط، التفكير المفرط، والإفراط المفرط. الحساسية لكل الأمور من أبسطها إلى أكبرها، ذاك الرابط الغريب الذي يجعلني ألتصق بالعالم، الوعي المؤلم بالذات، والاطلاع على أحلك مناطقها. تلك المعرفة السخيفة بكل نقطة دافع لدي، وعدم الاكتفاء حين يكتفي الجميع.
فحين تجيب الجموع بنفس واحد على سؤال "صف نفسك بكلمة"، أجدني أنا عند الزاوية الخرساء مع قاموس شامل، بي الصفة ونقيضاتها، بي الفعل وعكسه، الرغبة وضرتها، كلها تجتمع فيّ بنسب متفاوتة ولكنها أكيدة الوجود.
وربما هنا لعنتي، عدم الاكتفاء بالصفة الظاهرة، بالقشرة السطحية لنفسي، والغوص —وإن لم أُجد ذلك— في أعمق نقطة للذات، نحو المركز الذي يحجبه الضباب والموت.
وهنا وعند هذه النقطة الفاصلة تقف مقولة “كافكا” كصفعة منعشة:
«خجلتُ من نفسي عندما أدركتُ أن الحياة كانت حفلة تنكّرية، وأنني حضرتُها بوجهي الحقيقي.»
وهذه أحد أسباب رغبتي في الاحتفاظ بذاتي بعيدا عن هذا، فحتى وإن لم يلاحظ أحد هذا، لكن حروفي كانت ترجمةً عاثرة لروحي في عالم كان الحكم فيه للأقنعة، للمثاليات. ولا أريد أبدا أن أضع روحي في مكان مملوء بقشور الذوات.
فمع تقدمي في هذه الحياة، وجدت نفسي بين خيارين: التعري بسذاجة بينما يلتحف الجميع أفخم الثياب، أو ارتداء الحرير والمشاركة في عرض الأزياء.
ولأنني أكره الثنائيات، قررت أن أشق طريقي بما يرضيني: أن أغادر القاعة بأكملها وأفرض سيادتي على ركني الخاص، الذي وإن لم يكن فاخرا لكنه عائد لي بلا شك.
أن أحدد أنا المساحة التي تحتضنني، وأختار فيها ما أكونه ،ما يحميني من الخارج ويضمن استقلالية الحكم للداخل.
لهذا قررت أن أنهي "رحلة"، التي لا أدري إن كان هناك من لاحظ امتدادها "حقا".
وهنا مقولة ل “ سيمون دي بوفوار” أحبها كثيرا تلخص قليلا جوهر التحول والحرية التي أطمح إليها:
"I am fully aware and in full possession of myself.[...]
I have no desire to be understood, admired, pitied, or even known;"
كانت هذه الرحلة اختبارًا للظهور، امتحانًا للرغبة في أن أُرى، لا كما أنا في الواقع، بل كما أنا في العمق، وقد رأيتُ ما يكفي لأدرك أن بعض المسافات لا تُقطع علنًا، وأن بعض المناطق لا تُضاء دون أن تفقد معناها.
لذلك، أضع هنا نقطة نهاية لا بدافع الانطفاء، بل بدافع السيادة.
فليس كل ما يُكتب يجب أن يُعرض، ولا كل ما يُفهم داخليا صالح لأن يُستهلك خارجيا.
في الواقع كانت نيتي الأولى هي الحذف والتوقف التام عن النشر ( للأمانة حذفت بالفعل بعض المنشورات، والبعض الآخر مهدد بالحذف أيضا ). لكنني وبعدما وجدتُني أكتب مسودات مقالات دون قصد، بينما أبحث في مواضيع تستثير فضولي لصالحي الشخصي، فكرت في أنه بدلا من التوقف عن النشر، سأغير المحتوى.
وعلى هذا، ما سيحدث ليس انسحابا وإنما: تصحيح مسار.
وبعد الآن، سأختار أنا شكل حضوري، وحدوده، ومجاله. وأُنهي ما كان ذاتيًا مفرطًا.
وعلى هذا، ما سيأتي بعد الآن ليس استمرارًا، وإنما تحولًا.
شكرا لكل من شاركني الرحلة الأولى، قلبي يفيض امتنانا لكم. ونشري لهذا الاعتراف لم يكن سوى احتراما وامتنانا للعقول والأرواح التي فتحت لكلماتي بابها، وإلا فليس لدي هواية التعري وسط الأنظار.
والآن جهزوا أنفسكم لرحلة أتمنى أن أنجح في جعلها أكثر إثارة، رحلة تتراقص فيها العقول دونما خجل ودونما ضبط، رحلة تنفى فيها الذوات الضيقة إلى الزاوية، بينما تُترَك الحلبة للعقل ليتمم عرضه، ليصمم خطواته، وليستعيد مجده في عالم طغت فيه الأجساد واكتفى الناس فيه بقشور الأشياء.
رحلة يكون فيها الحوار بين العقول، بعيدًا عن ضجيج المشاعر العارية. رحلة أكون فيها أنا الدليل، لا المعروض.
هنا، أعلّم نقطة النهاية، التي ستبدأ بعدها بداية أخرى.
نهاية حدود الذات وبداية العالم، نهاية عرض رحلتي الذاتية، وبداية تلك الفكرية.
وبهذا تنتهي «رحلة: هل أنا حقًا أنا؟»
وتبدأ «رحلة فكرية »
بقلم "بسملة".





تعجبني فكرة تغيير مسار النشرة، ولكن يحزني ان صار هناك حجاب بيني وبين رحلة، كانت تدويناتك بهجة خالصة وحسن سبكك نسمة عليلة منعشة، وإن كانت ثقيلة محملة بشتى العواطف
احببت اسلوبك ورأيتك من الثلة القليلة الشجاعة الذين يكتبون بقلم صادق ووددت أن لو كان كل من في التطبيق يكون شجاعاً مثلك
قرأتكِ فأبصرتُ وإستلهمتُ وعرفتُ نفسي.. فشكراً لكِ على هذه الرحله وعلى هذا المسار.. أتمنى لكِ التوفيق أينما وكيفما كنتِ..
ممتنٌ للأبد…