هل يكتب من لا يقرأ؟
هذا ليس مقالًا بقدر ما هو استراحة تأمّل.
كطير مقطوع الجناح ربما، أو كجناح مفصول عن باقي الجسد، يعيش من يكتب دون أن يقرأ؛ كاحتمال لا يصل ذروته، وكأداة باهرة لا تبلغ أقصى فائدتها، تضيع المفردة بين جموح المصدر وضيق الفضاء.
من يعرفني يدري أنني لا أقرأ، أو لعلّ زمنًا طويلًا مرّ منذ آخر مرة انغمست فيها في كتاب.
لم أشعر في البداية بوطأة عزوفي عن الارتواء بالمفردات، إذ أنني التجأت سريعًا إلى الكتابة؛ فاحتميت بتوتر من الحبر الذي هجرته بحبر آخر يخالفه مصدرا لكنه يشاركه الطبيعة. فخففت بها عطشًا كاد يهلكني، وسكّنت جوعًا كاد يعدمني ويفرغني من ذاتي.
فعلى خلاف ما يُشاع، فإن انقطاعي عن القراءة لم يُضعف قدرتي على الكتابة؛ ما زلت أستطيع أن أكتب، وربما كتبت في هذه الفترة أكثر مما كتبت حين كان طقس القراءة يلازمني.
لكنني مؤخرًا أدركت أن من يكتب دون أن يقرأ يشبه من يكتب في غرفة واسعة تبدو في البداية بلا حدود أو جدران فاصلة، ثم ما يلبث الزمن أن يكشف له سبب تسميتها "غرفة". تبدأ الجدران بالظهور، تضيق… تضيق… تضيق، حابسة إياه في حيز لا يليق باتساع صوته. يبقى الصوت أصيلًا، غير محدود النبرة، لكن التمدد عسير، والمساحة تضيق ببقية أعضاء الجسد والحواس.
انقطاعي عن القراءة لم يُطفئ القلم، لكنه أبطأ توهّج المفردة، وقلّل تنوّع الخيال، وضيق الفضاء الداخلي الذي تستند إليه كتاباتي. بإمكاني تحسس الفجوة بين ما يمكنني أن أكونه وبين الحيز الذي أجد نفسي محبوسة فيه. أكتب، أنزف، أقدّم… بلا تغذية معرفية مستمرة، لأجد نفسي في نهاية اليوم فارغة، أفيض بعنف دون أن أمنح نفسي متسعًا لأملأها من جديد.
أدركت فعليًا أن شيئًا ما فُقِد في غياب القراءة: ذلك الاتساع الداخلي، الغوص في طبقات الفكرة، والامتزاج البطيء مع المفردات والأحاسيس والاختلافات.
وما جعلالأمر أشد وطأة هو أن تكويني وروحي يميلان إلى القراءة بينما أنا لا أمارسها، ولهذا يتراكم في داخلي عطش لا يجد ما يرويه.
ما أكتبه هنا ليس شكوى، بل فاصل ضروري. لم أتوقف عن النشر لأن الأفكار نضبت؛ لدي عشرات المسودات تنتظر من يصقلها، من يحوّل مادتها الخام إلى نصّ يلمع ويُكتنز. لكنني قررت أن أتريث قليلًا، سأمنح نفسي، بإذن الله، وقتًا للعودة إلى القراءة؛ لأكتشف ما يختبئ في داخلي، ولأفتح الأبواب التي أوصدتها، ولأعيد تشكيل الحدود التي قيّدت قلمي، وأصقل الزوايا التي أهملتها في نفسي.
شكرا على القراءة.




هناك اشخاص يولدون في اعماق البحر لا في غرف الولادة تنجبهم لغاتٌ قديمه و مشاعر كونية و زجاجةٌ سحريه وحبرٌ دموي، اشخاصٌ لا يتحتم عليهم قراءة شيء، لأن معركتهم بالداخل وحواراتهم الجميله تقام فوق مائدة أصواتهم الأخرى ومرآتهم لا تنطق بشيء ليس لأن المرايا خرساء بل بسبب تعدد هوياتهم، أولئك الذين لايعلمون هل القلم بين أصابعهم ابتلاء أم كرامة، حتى لو لم تعانق أعينهم النصوص والسطور والأحرف والكلمات والألواح والالوان ستبقى بداخلهم القدرة على البوح بالف طريقه، اننا ممتلئين للحد الذي يجعلنا نكتب الف كتاب دون قراءة حرفٍ واحد ..
مشاء الله أسلوبك في الكتابة والوصف أسطوري ،كل كلمة ذكرتيها كانت موزونة بحكمة واصلي