لماذا تبقى المرأة بينما يغادر الرجل؟
هل المرأة هي رمز الإنسانة الفاضلة المضحية التي تبقى لأجل الآخرين، والرجل هو الأناني المنغمس في ذاته الذي يغادر دون اكتراث تاركا مسؤولياته خلفه؟
هل هذا ما تفرضه البيولوجيا، التقاليد والإرث الثقافي، الأنظمة أم المجتمع؟
لو عوملت المرأة بذات الطريقة التي عومل بها الرجل، وكانت من نصيبها النظرات التمجيدية التقديسية بدل الاستنكارية الاتهامية التي حظيت بها، هل كانت لتبقى أم لتغادر؟
ولو تجرع الرجل ذات السم الاجتماعي الذي سقيت هي به، هل كانت سلوكياته لتختلف؟
هل المرأة ضحية مطلقة للمجتمع، أم أنها شريكته ومتواطئة معه في جرائمه وممارساته؟
وهل الرجل جان بشكل مطلق، أم أنه أيضا ضحية بذات القدر؟
هل حدث أن كنت وسط حوار تطرقت فيه الجماعة إلى حكاية امرأة تعيش الويلات في قفص الزوجية، وتساءلت في سريرتك أو طرح أحد آخر السؤال جهرا بدلا منك: لم لا تغادر، لم ترضى بالذل؟ إن كان الشقاء أمرا لا مفر منه، أليس أهون لها أن تشقى لفترة ثم ترتاح على أن تعيش طيلة حياتها في جحيم؟
أو ربما عند سماع خبر عن أب هجر عائلته، وقام بفرش فراش الزوجية في منزل آخر، هل مر عليك الخبر مرور الكرام ورأيته اعتياديا بل وبديهيا ومتوقعا من رجل؟
القصة الكلاسيكية "الطبيعية" يغادر هو ويستمر بينما تبقى هي وتتوقف لتعتني بالأولاد، ولأجلهم تضحي وتناضل.
وسط خطابات تتصارع، أطراف حبال تشد، أنظمة تسقط وأخرى على ركامها تقام.
تهديم الأسرة، الحفاظ عليها، تقييد المرأة، استعبادها، اخضاعها، تحريرها، إعادة اعتبار الرجل، الإطاحة به، مقاومة طغيانه، محاربة وإلغاء كيانه…
الجميع يصنِّف، يُعرِّف، يحارب، يصارع ويوجه أصابع الاتهام. تتطاير الطلقات من الأسلحة الموجهة في كل الاتجاهات، تضطرب الكيانات داخل الساحة، تختلط الأدوار، وتشتبك الأسس والقيم، تتساقط الجثث التي بين واحدة وأخرى يختبئ جريح، تتصاعد روائح الدماء، الجيفة والعفن.
كل المؤشرات التي تشير إلى حدوث جريمة، لكن هنا الضحايا هم جناة، فلمن المحاكمة، لمن الحساب؟
أين الجاني؟ هل هو وسط الساحة، أم أنه يحرك اللعبة من مكان آخر… أو ربما زمن آخر؟
أين السبيل، أين الصواب؟ أو بالأحرى… من هو الصواب؟
الثنائية الأكثر إثارة للجدل: المرأة والرجل.
تتشعب الآراء، الحركات، الاتجاهات… لكن ما هي القضية؟
قضيتنا اليوم هي سؤال بسيط، بل وحالة اعتيادية تقليدية: عش زوجية وضعت فيه امرأة ورجل، اختلطا أو ربما اشتبكا وإذ بأسرة قد أسس.
رجل غادر وامرأة ظلت، هنا تنتهي الحكاية —أو ربما هنا بدأت.
هذا ما حدث، ولكن لماذا حدث؟
لماذا يا ترى غادر الرجل بينما المرأة بقيت؟
رابطة الجسد:
حس الأمومة موشوم في دماغ الأم، هرموناتها وجسدها منذ فترة الحمل. فيكون الطفل جزءا لا يتجزأ منها إذ أنه نشأ داخلها وشاركها جسدها. يستقبل الجسد الضيفَ الذي حل عليه بتسجيل تغييرات في بنية الدماغ، حيث تتقلص انتقائيا مناطق معينة فيه، لتتم بذلك إعادة هيكلة وظيفية مؤقتة، ويصبح بذلك دماغ الأم أكثر تركيزا على قراءة احتياجات الطفل ومشاعره. كما أظهرت الدراسات أنه كلما زاد التقلص تبعته زيادة في تعلق الأم بطفلها، وتستمر هذه التغيرات لمدة سنتين على الأقل بعد الولادة، ليصب دماغ الأم تركيزه على المهمة الأكثر أهمية: فهم الرضيع.
كما يتزامن مع هذه الظواهر ارتفاع في نسب هرمون الاوكسيتوسين الذي ترتبط زيادة كميته بظهور السلوكيات الحنونة على الأم، ما يوجّّه النمط العام للسلوك الأمومي الدافئ.
ولا تتوقف الأمومة على البيولوجيا فقط، حيث أن هذه الأخيرة وإن كانت وسيلة لمعرفة سلوكيات الأفراد، إلا أنها تبقى عنصرا في منظومة أكثر تعقيدا. فإحساس الأمومة يتغدى على العناية المباشرة، والتواصل بين الأم وطفلها، كما أن البيئة الموفرة لتطور الطفل تلعب دورا في توثيق هذه العلاقة أو إضعافها.
وهنا نرى أن الأمومة تعتمد في تشكلها على حلقتين، تشترك فقط في إحداها مع الرجل. حيث أن هذا الأخير يفتقد الحلقة الأولى من الترابط الجسدي خلال فترة الحمل.
فكيف يتطور الإحساس بالأبوة؟
على عكس الاحساس بالأمومة ( في حالة حضور الحمل) ٍِ فإن الأبوة لا تبنى أسسها بتلقائية، بل إنها تنشأ بشكل تام من رحم المشاركة النشطة، وتتعمق وتتجدر بفعل التفاعل المباشر مع الطفل بعد الولادة عن طريق اللمس، التواصل البصري، والعناية المباشرة. كما أنه وتزامنا مع هذه العملية تنخفض مستويات هرمونات التنافس والعدوان ( التستوسترون)، ما يصب لصالح تطوير سلوكيات الرعاية والتعاطف.
فلاختلافات فسيولوجية، وبفعل ميولات بيولوجية قوية، تتشكل اللبنة الأولية التي توجه سلوك الآباء تجاه الطفل.
فبينما تحفر الأمومة أوليا في دماغ الأم وهرموناتها خلال فترة الحمل والولادة، يفتقد الأب هذه الحلقة حيث تتطلب الأبوة بشكل أساسي مشاركة نشطة وفاعلة من الأب لإيقاظ الاحساس بالأبوة.
فبينما تعزز الأمومة بالعناية المباشرة ترتكز عليها الأبوة بشكل أساسي؛ فكيف يتم تكدير هذه العملية؟
منظمة المجتمع:
يولد إنسانان من رحم المجتمع، لكنهما لا يدركان أنهما كذلك حيث أن أول تعريف يأخدانه عن ذاتهما هو أنه رجل بينما هي امرأة.
وعند الولادة توزع الأدوار على كل منهما، وما عليهما فعله هو الالتزام بنص المسرحية للحفاظ على استقرار النظام وسيرورته.
بين الذكورة والأنوثة، وإن بدا أن تعريف هذين المصطلحين يخص الجنس، إلا أنه في الحقيقة يتشعب ليُفرض كهوية بل وحتى ليظهر كأيديولوجية ،
يدخل الرجل القالب المصمم له من طرف الجماعة، الأفراد والزمن. ويتم تقليص دوره في تمثيل المحفظة المالية، الصرامة، والحرص على حفظ النظام، يطلب منه الوقوف عند الحدود ومنع تجاوزها. وبهذا يتم اختزاله في دور السلطة، وترتبط هويته ومدى فعاليته الذاتية بمدى تحكمه.
وهذا الدور الصارم الذي يمزج بين الصلابة والجمود يمنعه من السماح لذاته العاطفية بالظهور، حيث تتم تغذيته بأفكار وممارسات تحرمه من المشاركة الشعورية وتقوم على وصم بعده الحسي بالعار ما يخلق فجوة في انسانيته وهويته. ونتاجا لهذه القيود العاطفية ينشأ الرجل على ركام أبوة معتلة.
كما أن الجهل العاطفي المفروض على الذكور يوصلهم —حتى وإن حاولوا التعبير وكسر القوالب— في النهاية إلى طريق مسدود، فالمشكلة ليست فقط في منع المعرفة بل في عدم توفرها.
فحتى وإن استطاع الرجل التماهي مع الأدوار المجتمعية المفروضة عليه، وتحقيق ذاته بالذوبان في قوالب الذكورة أو الرجولة المزعومة، واستطاع بذلك نيل رضى المجتمع وحجز حياة تحترم قوانينه، تبقى قدراته ومعارفه الفردية قاصرة أمام إشباع علاقته الزوجية والأبوية، التي وإن كانت تخضع ظاهريا للقوانين ذاتها التي يلتزم بها هو إلا أن جوهرها يتمرد ويقوم بشكل أساسي على التواصل العاطفي والأبعاد الحسية والشعورية.
وبالأخد بعين الاعتبار جهله وعدم كفاءته من هذه الناحية، فإنه يغرق نتيجة هذا في قلق مضاعف وضغوط نفسية وصحية متقدمة الضرر، ليضيفها إلى ما يمتلكه بالفعل من أزمات نفسية نتجت عن كبته لذاته وانكار أبعادها.
وكل هذه العوائق تقيم جدارا يفصل الرجل عن بيته، عاطفته بل وحتى إنسانيته. ووسط اضطراب وحرمان متنام يولِّد بذلك أسلوبا عدوانيا يدفعه للهجوم والهروب، كما يلجأ إلى الأساليب المنحرفة. وإن كان أكثر خضوعا فإنه سيكتفي بما يسمح له به المجتمع فقط من انحراف: كالضرب، العنف…
كما ينمى لديه الإعتقاد بأن فراغه وعدم اكتفائه ما هو إلا مسؤولية شريكته، وحله ودواءه هو في التغيير والتحرر، واستثمار اضطراباته وسلوكياته المعتلة في زواج جديد، فيغطي بذلك على احتياجاته العاطفية بزيادة جرعة النشوة الجنسية.
وكمواساة على محدودية قدراته وقصور ذاته أمام المسؤوليات المطلوبة منه، يواسيه المجتمع بخطابات عن عدم اضطراره للمشاركة أو الاستثمار في الأسرة، وخطابات متعددة تنسله من تحمل المسؤولية: فهو غير مطالب فعلا بممارسة أبوته أو التقيد بدور الزوج كل ما عليه فعله هو فتح جيبه لهم— وإن كان هذا أيضا أمرا قد أعفي منه أيضا—.
كما أن القيود المفروضة على الأبوة أو فعالية الرجل الزوجية ليست فقط نتيجة فكر مجتمعي، بل وأيضا بسبب الهندسة الاقتصادية لدوره، حيث تفرض عليه أيضا ضرورة الكدح والعمل، وإن كان العمل ليس مشكلة بحد ذاته، ولكن لرجل بسيط من الطبقة الكادحة والتي تمثل الأغلبية الساحقة، أو فرد من بلد لا يمنح الفرد حق الوجود الانساني الكامل، ونظام يقيس مدى فعالية الفرد بمقدار مدخوله، فإن تقييده في العمل بالحاجة يجعله يهب يومه كاملا للكدح ما يقلص وقته العائلي المعتل بالفعل ويقوي الجدار الذي يفصل الأسرة.
على الصعيد الآخر، نجد المرأة التي ارتبط وجودها بالبيت، بل وتماهى مع هويتها، فلم يعد يقال أتصل بزوجتي بل بال"بيت" (الدار)، فتباعا للتطور الطردي للعلاقة بين الأم وطفلها بحكم الوقت المخصص لهما كليهما معا، يتعزز ارتباطها بالجدران الجامدة أيضا.
(وبقاء الأم لا يعني بالضرورة بقاء مثمرا أو أمومة لا تشوبها شائبة فجوهر العلاقة يخضع لذاتية الحالة أو التجربة أما أنا فأعني بتحليلاتي البقاء الشكلي والحالة العامة للفكر السائد.)
وهنا إضافة إلى ارتباط الأم بطفلها الذي يشدها للبقاء كون دورها المرتبط بملازمة البيت يقتضي تعزيز أمومتها. إلا أن هذا لا يبقى السبب الوحيد الذي يبقيها.
لأنه ليست فقط الأم المعنية بظاهرة البقاء، بل وإن المرأة بكل أدوارها)أخت، إبنة…) يرتبط اسمها بالمنزل حتى إن لم تختبر الحمل والولادة. والرجل أيضا لا يغادر فقط كأب أو كزوج بل حتى كأخ وإبن وكأن الذكورة تمنحه تذكرة خضراء تسمح له بمغادرة العش والطيران بعيدا عنه، بينما أنوثة المرأة تعمل عمل القيد عليها وتربطها بجدران البيت.
ارتباط المرأة بالبيت يتجاوز البيولوجيا ويذوب في قالب أنوثتها المزعومة.
حيث أنه نتيجة شحن عاطفي ومجتمعي متواصل عبر التاريخ، تكونت هذه النظرة عن ماهية المرأة الفاضلة ومسؤولياتها التي لا بد لها من آدائها على أكمل وجه. فيلزمك الكثير لكي تكوني امرأة وتستحقي دورك. وكأنه فور الولادة هناك جريمة ارتكبتها الأنثى وهي جنين وعليها بذل كل حياتها من أجل من حولها للتكفير عن خطيئتها. بينما كل ما يلزمك هو كروموزوم ذكري أخدته صدفة لتكون رجلا. وهذا ما يمنح الرجل مساحة وأمانا أكبر للخطأ بل وللتلاعب بالنظرة للخطأ والصواب حيث يصبح الخطأ عاديا إذ فعله الرجل، بينما للمرأة فهي جريمة لا بد من أن تعدم بسببها.
فبدل تحويط خطأ الرجل والاشارة اليه وادانته، يقوم المجتمع بأسره بالتأقلم معه.
فمثلا لو أخبرتك أن هناك شخص مجنون في جماعة، ما حله؟ أن يتم عزله ومعالجته وعرضه على الجهات المختصة حتى لا يمارس أذاه على الأصحاء، أو أن تتأقلم الجماعة معه وتتماهى مع صفاته وتجعلها تبدو عادية؟
إعادة برمجة المجتمع ليتأقلم معه تتركنا مع مجتمع مريض. ومبني على أسس خاطئة وهادمة
وهذه النقطة بالذات تعيد تصميم المجتمع كساحة ينطلق فيها الرجل بحرية عارضا محاسنه وخطاياه بفخر، بينما تسير المرأة بحذر، إذ أن أي خطأ أو حتى كلمة حق قد تودي بها إلى المشنقة.
فإن كانت الذكورة تمنحك بطاقة خضراء، فالتاء المربوطة ترادف المقصلة.
وهنا تلتزم المرأة بدورها بحذر كجزء من هويتها، فلا ترفض المغادرة لنبل فيها، أو لجياشة مشاعرها فقط، بل لأنه ليس لها خيار فعلي أمام المقصلة.
فدور المرأة هنا يقتصر على أن تحتضن وتعتني بالجماعة، فما فائدتها إن لم يستفد الجمع منها؟ وهنا تتمسك هي بالدور الوحيد الذي يمنحها قيمتها الانسانية، وتذوب في هوية البقاء والارتباط بالمنزل كونه السبيل الوحيد الذي يسمح لها بالمشاركة، حيث أن المرأة خارج المنزل هي ***.
كما أن خيار المغادرة لم يكن متاحا بصراحة للمرأة حيث لم يتوفر لديها البديل. إذ لم تربطها بالرجل أسباب عاطفية أو ضغوط مجتمعية فقط، بل وأيضا مادية، حيث لطالما ارتبطت صورة الرجل بالمأوى والمأكل والمشرب وبهذا يعتبر وسيلة بقاء.
كما أن مصدر المعرفة المحدود لدى الأفراد يحدهم في قاموس ضيق يقيد المفاهيم في أطر مغلوطة، بدل شرحها ومنحها تعريفات سليمة.
فالنظرة المغلوطة للحب، إضافة إلى غياب التوعية الجنسية والتربوية، تعمل عمل الأرضية الخصبة التي تنمو فيها المغالطات، فأغلب الآباء أطفال لم يعيشوا طفولتهم، تم رميهم في قفص الزوجية دون معارف مسبقة، فكان كل ما فعلوه هو تقليد حركات وخطوات سابقيهم، وبهذا إعادة ذات الحلقة المعتلة.
ارتباك الهوبة:في الواقع المرأة ليست الإنسانة المقاومة أو المحاربة التي حاولت كسر القيود، ولا الرجل هو العادل السامي الذي حاول موازنة الكفات.
فعبر الزمن لم يكونا ضحية مطلقة بل وقد رضخا بشكل ما للهوية المفروضة عليهما بل وحاربوا كل ما يحاول المساس بها.
فهناك تلذذ بالمعاناة من طرف المرأة، حيث تقوم بتنازلات تسلبها نفسها وحقوقها، ويكون هذا هو خيارها الذي لا تتحمل مسؤوليته، لتعود في نهاية اليوم إلى لوم المجتمع على ما سلبه منها.
ولكن لم هذا الخوف من أخد حقها؟ أو من العيش؟ هل هذا لأنها تحب لعب دور الضحية، أم لأنه الدور الوحيد الذي يسمح لها المجتمع بعيشه؟
المجتمع لا يرى المرأة كفرد حيادي، بل كعار يجب أن يستر، أو كيان جامح يجب أن يقيد.
فإن لم تكن ضحية فهي نكرة —في الواقع هي نكرة في كل الأحوال— لكن إن لم تكن ضحية فستكون شريرة ضالة. تسألني: ألأنها ارتكبت شرا؟ أقول يا ليت هذا ما حدث، فهي فقط اختارت التمسك بحقها.
وبهذا تظل تبتز المجتمع بهذه الورقة “ورقة المظلوم”، لكن هل من اختار وقبل أن يُظلم هو مظلوم بشكل مطلق، أم أنه شارك في ظلم نفسه؟ وهل بإمكاننا ببساطة القول أنها شاركت في ظلم نفسها أم أن ما دفعها إلى هذا هو الخوف والمقصلة المجتمعية التقليدية التاريخية التي تنتظر بترقب الزلة —ممارستها حقها—لالتهام رأسها؟
وبالرغم من ثورة المرأة ظاهرا، إلا أنها بشكل ما وسط كل هذه الشعارات التحررية تتلذذ بسرية بقيودها، فهل ربما وفي قرارة نفسها يعجبها أن هناك من يمنعها —دعنا لا نقول يفرض سيطرته عليها— ولكنه قليلا فقط يوجهها ويسيرها.
فهل هذا بسبب طبيعتها الأنثوية أم أن من ألف القيد ترعبه الحرية؟
ما تميل إليه المرأة عادة هو طلب حماية وتأمين، لا تقييد. فرِضى المرأة على امساكها بالقيد باحكام، هو وليد رؤيتها المغلوطة لمفهوم الأمان والحماية، واحكام الرجل للقيود هو من فكرته المغلوطة عن كيفية التعامل مع المرأة وأنها منحرف جامح وجب تطويقه كي لا يفجر، لا يفسد ويخرب.
وكشريك رقص مثالي يتلذذ الرجل بالسيطرة والقوة التي يمتلكها، حيث وبالرغم من خطابات الفئة الواعية التي تدعو لإنصاف المرأة نجد أنه في قرارة نفس الشخص هناك ذكوري متوار يظهر متى اشتدت الظروف، ومتى اختلفت المعطيات. فلا يمكنك بسهولة التخلي عن نظام يمجدك بل ويؤلهك.
وهنا كنوع من الهروب من مسؤولية الاختيار، يظهر لنا كيف يتماهى كل من المرأة والرجل طواعية مع التعريفات الجاهزة التي يهديها المجتمع لكلا الجنسين، وبهذا يحملانه فيما بعد مسؤولية النتيجة. لكن الخضوع أيضا اختيار.
للثورة على النظام يجب أولا معرفة كيف يعمل وتفكيك تأثيراته علينا كأفراد.
فربما ليس الرجل هو الجانب الظالم وليست المرأة هي محل الدراسة، بل المجتمع، المنظومة والأفراد كمكونات متواطئة لا كجندر.
خاتمة:المرأة إنسانة والرجل إنسان.
المرأة بقيت لأن كل الظروف نسجت بعناية لجعلها تبقى، والرجل غادر لأنه منح حرية المغادرة دون مساءلة.
تناقضات:ولكن ماذا إن بقي الرجل؟
لِم يتم النظر إليه كبطل خارق مُضحٍّ، قام ببطولة لم يكن ملزما بالقيام بها. بينما ينظر للمرأة التي بقيت وكأنها تفعل ما من المفترض لها أن تفعل، واجبها، بل و ستجلد لأنها تركت.
ألا يفترض أن يقاس قرار تحمل المسؤولية بالضمير الانساني لا الجندر؟
فهل النسوية والرأسمالية والعلمنة هي الوحيدة التي تهدد الأسرة وتهدف لهدمها، أم أن النظام الأبوي، الذكورية، والموجات الاضطهادية —الموجهة في ظاهرها نحو المرأة والتي تستهدف في باطنها كل عناصر المجتمع بما في ذلك الذكر— قد مارست نهجها المدمر للأسرة لوقت طويل؟
فهل يمكن ان تكون التقاليد والعادات قد دمرت منذ وقت طويل جوهر الأسرة محافظة بتعصب على المظهر، بينما جاءت العلمنة لتكمل فقط على المظهر وتقضي بذلك على ما تبقى؟
..
..
مراجع اعتمدتها في الجانب البيولوجي:
· Hoekzema, E., et al. (2017). "Pregnancy leads to long-lasting changes in human brain structure." Nature Neuroscience, 20(2), 287–296.
· Kim, P., et al. (2010). "The plasticity of human maternal brain: longitudinal changes in brain anatomy during the early postpartum period." Behavioural Brain Research, 214(1), 45–49.
· Feldman, R., et al. (2007). "Evidence for a neuroendocrinological foundation of human affiliation: Plasma oxytocin levels predict mother-infant social and behavioral synchrony." Biological Psychiatry, 61(8), 1007-1014.
· Gettler, L. T., et al. (2011). “Longitudinal evidence that fatherhood decreases testosterone in human males.” Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS), 108(39), 16194–16199.





أحببت مقالتك، فقد تناولتِ بعمقٍ وجذريةٍ مسألة بقاء المرأة أو رحيلها، وما يترتب على ذلك من أحكام الناس وأقوالهم عنها، من غير أن يدركوا قصتها الحقيقية أو يعلموا ما يُخفيه قلبها.
أتذكّر تلك الحادثة في مجتمعنا عن امرأةٍ شكت لأبيها ما تلقاه من زوجها من عنفٍ وضربٍ وشتائم، لكن الصدمة كانت أنّ أباها لم يقف إلى جانبها، بل قال لها:
“اصبري من أجل أطفالك، ولعلّه يضربك لأنه يعرف مصلحتك.”
وعندما أخبرته أنها تريد الطلاق، أجابها بقسوة:
“أتريدين تشويه سمعتنا؟ إن طلّقك فلن أستقبلك في البيت.”
وكان جواب زوجها كذلك:
“إن طلّقتُكِ فسآخذ الأطفال منكِ.”
عندها لم يبقَ للمرأة أيّ خيار، فاختارت البقاء من أجل أطفالها، لأنها تدرك أنها بلا سندٍ في هذه الحياة، ولا تريد أن تُحرَم من فلذات كبدها.
ومع ذلك، يقولون لها ببرود:
“لقد اخترتِ القرار الصائب لنفسك.”
من أروع ما قرأت