لماذا لم تغضب حين قرأتَ رواية "الغريب"؟
وغضبتُ أنا
رواية الغريب تُقرأ عادة باعتبارها بحثا في العبث الإنساني، لكنها في قراءتي تمتد إلى ما هو أبعد من فلسفتها المعلنة، لتجسد لنا العقلية الاستعمارية، في وعيها ولا وعيها، بشهادة ومنظور المستعمِر ذاته.
أهميتها في أنها لا تدافع عن الاستعمار صراحة، بل في أنها تكشفه وهو يعمل بصورة طبيعية وتلقائية داخل الخيال الأدبي دون إعلان مباشر.
فإضافةً إلى العبث الانساني، الرواية تكشف حدود هذا "الإنساني" نفسه؛ فالإنسان الذي تنشغل الرواية بعبثه وموته وقلقه هو المستوطن الفرنسي، أما اللا أحد المقتول الذي لا يُمنح حتى الحد الأدنى من الفردية التي تسمح له بأن يكون موضوعا لهذا التأمل الوجودي، فهو المواطن الجزائري.
لم يُحاكم ميرسو قط لأنه قتل رجلا؛ لقد كانت محاكمته، منذ البداية، لأنه لم يرثِ موت أمه.
كانت محاكمة خالصة لشخصيته، ولم تتناول أبدا أو تكترث بجريمته ولا ضحيته.
ما اكتسب الثقل السردي لم يكن الضحية، وإنما انسان عبثي.
ولم يتلخص هذا في نية الرواية، بل في بنيتها، فحتى شخصياتها لم تكترث للضحية والمجرم. بل ركزت على انسان لم يبكِ موت أمه.
في الرواية، لم يكن مقتل العربي حدثا أساسيا، بل مجرد مشهد جانبي يُسيّر الحبكة. أما العربي نفسه، فلم يبدُ أن أحدا اكترث له. لا الشرطة، التي أوحت لميرسو منذ البداية بألا يقلق أبدا، فليست قضية مهمة، ولا المجتمع الذي انشغل بشخصيته أكثر من انشغاله بالضحية.
شخصيا، أعدت قراءة تلك الصفحات التي بالكاد صورت الجريمة أكثر من مرة، لا لأنني مفتونة بالرواية، بل لأنني انفجعت من حقيقة أن الضحية بدت لي كمجرد ذبابة تمت إزالتها دون محاكمة أو قضية. بل وإن ما زادني غضبا هو حقيقة أنني لو لم أكن أكثر تركيزا لما انتبهت كما لم ينتبه كثيرون غيري.
كيف كان يمكن ان أقرأ جريمة قتل كاملة دون أن أشعر بأن الضحية مهمة، دون أن أمنح الواقعة محاكمة أخلاقية كافية؟
فحتى عند قراء يملكون حساسية عالية ضد الاستعمار، يمكن أن تمر الجريمة دون أن تحتل مركز انتباههم. وهذا في حد ذاته يكشف أن البنية السردية لا تكتفي بإقصاء الضحية، بل تجعل هذا الإقصاء غير مرئي للقارئ نفسه.
نص الرواية وطريقة سرده، يخترقان لا وعي القارئ ويشكلان نظرته عن الجريمة؛ ويجعلانه ينظر إليها باعتبارها تفصيلا ثانويا، وربما لا حدثا أصلا.
فقد تم تحوير مركز ثقل النص وصدمته من الجريمة إلى حقيقة أنه لم يبكِ في جنازة أمه، وهذا ما ركزت عليه كل العناصر الفاعلة، من شخصيات الرواية وبيئتها إلى القراء والنقاد.
لم يكن للعربي اسم، ولا قصة، ولا حضور. رحل كما ظهر: نكرة.
وبالرغم من أن الأدب الاستعماري كان كثيرا ما يختزل الجزائري في صورة نمطية بسيطة كمخلوق ذو بعد واحد، تحكمه غريزته الحيوانية، ووحشيته.
إلا أن ألبر كامو قد منحه شكلا استثنائيا من الحضور وهو: الغياب.
لم يمنحه حضورا سرديا كافيا حتى يصبح شخصية كاملة. فهو لا يمتلك اسما ولا صوتا ولا تاريخا.
بينما منح الشخصيات الفرنسية، كل ما يلزمها من العمق والتعقيد والوجود. بل وحتى العابرة منها، قد مُنحت وصفا جسديا وفعليا كافيا، لنراها كشخصية، لا ديكورا في الخلفية.
وهنا بالضبط تتسلل الرواية إلى ما يمكن تسميته باللاوعي السردي: كيف تُوزَّع الأدوار بين من يُرى ومن يُستخدم كخلفية فقط.
وإذا وضعنا الرواية في سياق الجزائر المستعمَرة عام 1942 الذي صدرت فيه الرواية، تتعرى الرواية من براءتها.
لتتجاوز دلالتها بعدها الفلسفي المعتاد. وتظهر لنا كشهادة استعمارية تلقائية.
فالجزائر الفرنسية تُقدَّم بوصفها حقيقة بديهية لا تحتاج إلى تبرير. والفرنسي مالك الأرض بوصفه أمرا مسلَّما به. أما العربي، فهو وجود هامشي ومسلّم بتهميشه، حتى أن مقتله نفسه لا يعامَل كحدث ذي وزن.
فالجزائري ليس منبوذا في لغة الرواية، بل هو مقصي.
لا يُعترَض على وجوده، فهو لا يُرى من الأساس.
وهذا ما يورَّث للقارئ في أسطر رواياته.
وهو ليس أمرا منفصلا عن عالم ألبر كامو الفكري، حيث يتكرر هذا النمط الأعمى عن الوجود الجزائري في أعمال أخرى له أيضا.
وفي غياب الشخصيات الجزائرية الفاعلة في رواياته، والحضور القوي لجزائرِه الفرنسية، وموقفه المدافع عن بقائها كذلك، يظهر التناقض بين نزوعه الإنساني المزعوم وبين محدودية حضوره عندما يتعلق الأمر بالمساواة السياسية والوجودية الفعلية بين المستعمِر والمستعمَر.
وربما لم يكن هذا النمط من التفكير ليكون حدثا نادرا إن تحدثنا عن مستوطن عادي، ولكن فيلسوفنا بحوزته سلاح أشد خطورة: إنسانية عمياء متعالية، وقلم موهوب.
المقلِق في الرواية، ليس وعيها وإنما لا وعيها، فتنظيم بنائها يجعل القارئ لا يهتم بالجريمة من الأساس، لا يبصرها حتى يفكر في موقف منها، فهي ليست جوهر الرواية، ليست حدثا مهما.
وربما لم يكن هذا الإقصاء واعيا أو مقصودا، وهو ما يجعله أكثر دلالة؛ إذ يبدو غياب الجزائري في الرواية أمرا طبيعيا إلى درجة لا تستدعي التبرير أو حتى الالتفات.
بكل هدوء يلغى من مركز الإدراك، ما يمنحه نوعا من “الغياب الوظيفي” بدل الحضور.
وربما يقول البعض أن هذا يعود إلى عبثية ميرسو ولا اكتراثه الشخصي بالجريمة.
ولكن… ماذا عن الشرطة؟ أصدقائه، عشيقته، ومجتمعه؟
هذا ما أقصده بالضبط، البيئة بأكملها مصممة لكي لا تأبه بالجريمة.
وحين يُنزع عن الحدث احتمال النقاش حتى، لا وجود لصراع أو صدمة في تقبله، ويحدث بتلقائية وطبيعية كمسلَّمة، هنا تقع على مسمعك الجريمة، كما تقع تفصيلة أن الشمس أشرقت… كونها مجرد حدث طبيعي رتيب.
وهنا نرى بصورة طبيعية للغاية، موقع الجزائري داخل الفانتازيا الفرنسية.
لا يظهر الاستعمار في “الغريب” بوصفه خطابا يهاجم الجزائري، بل بوصفه خطابا لا يحتاج حتى إلى رؤيته.
فالعربي لا يُحرم من البطولة فحسب، بل يُحرم من الوجود السردي نفسه. ولذلك فإن السؤال الذي تتركه الرواية ليس كيف يواجه الإنسان عبث العالم، بل من يُسمح له أصلا بأن يُعَدّ إنسانا داخل هذا العالم؟
وهنا تحديدا تتجاوز الرواية فلسفتها المعلنة، لتصبح شهادة نادرة على الكيفية التي يعمل بها الخيال الاستعماري: ليس عبر كراهية الآخر، بل عبر محوه من المشهد حتى يبدو غيابه أمرا طبيعيا لا يثير الانتباه.



أنا لم أغضب أبدًا عندما لم يحزن ميرسو على وفاة أمه، بل على العكس، شعرت بشيء من الارتياح لأنني وجدت شخصية لا تتعامل مع الحزن وكأنه واجب مفروض على الجميع. ربما لأنني مررت بتجربة مشابهة؛ فعندما توفي جدي، رغم قربه مني، لم أشعر بذرة حزن كما كان يتوقع من حولي، واستغربت ذلك كما استغربه الآخرون. لذلك لم أجد تصرف ميرسو صادمًا بقدر ما وجدته صادقًا.
فالسؤال هنا: هل يجب أن أحزن على وفاة أحد؟ وهل تُقاس محبتي للناس بكمية الحزن التي أُظهرها بعد رحيلهم؟ أم أن المشاعر، في النهاية، لا تخضع لما يتوقعه المجتمع منا؟
يصادف إني قرأت المكتوب هنا بعد دقائق معدوادت من كلام كتبته بيني وبين نفسي..
"
-"ايه الفراغ ده"
جمله قولتها وانا ماشي مش على بالي اي حاجة .. لقيتها بتطلع من لساني في لحظة تجمعت في مداركي حقيقة إني معتش شايف العالم بالشكل اللي المفروض اي إنسان طبيعي يشوفه بيه .. وبقا في سؤال داير في بالي .. هو انا وصلت لحالة مرضية ؟ ولا اتشال عن عيني زخرفة الدنيا الفانية ودي هي بالفعل حقيقتها ؟
البير كامو في الغريب كان غريب بالنسبه للكل .. حتى بالنسبة للقراء .. إزاي إنسان يصل لمرحلة من البرود معتش حتى وصف البرود كافيله .. اللي جواه مش متجمد .. هو مفيش حاجة جواه في الأساس .. ويمكن يكون ده هو الحقيقي المطلق اللي بيعبر عن اللي كان ال"غريب" عايش فيه .. يمكن وصل لمرحله انه .. من كتر ما معتش جواه حاجه .. معتش في إحساس يدرك عدم الإحساس ... وانا للاسف بدات احس اني بقيت "غريب
"