الموسيقى والدماغ: ردٌّ على ردِّ الرد
مرحبا عزيزي القارئ، ولكي تفهم ما يدور هنا عليك قراءة مقالي السابق أولا:
ردٌّ على: “لماذا صمم الله أدمغتنا لتدمن الموسيقى إذا كانت رجساً من عمل الشيطان؟”
اولا، ولفهم سياق كلامي، فقد جاء ردا على منشور ل إِلْيَاسّ ، لذا عليكم قراءته أولا:
ثم إن لم تهرب بعد، عليك قراءة هذا:
وإن لم تغلق المقال بعد لتسوف المهمة أو لأن وقتك وحياتك لا يدوران حول قراءة ثرثرتي، فيمكنك أن تكمل:
مرحبا إلياس، وبالرغم من نقمي الشديد على مناداتك إياي بأكثر الأسماء التي أكرهها في هذه الحياة بسمة لأن اسمي "بسملة" بلام شامخة رافضة (لم أكن أخطط للكشف عنه صراحة، ولكن كرهي للارتباط بذاك الاسم فاق انزعاجي من انكشاف هويتي).
إلا أنني بالرغم من كل هذا سأضع ضغائني جانبا، وأرد عليك بموضوعية.
أولا، أظنني لم أحدد موقفا في ردي السابق وهذا لعدم رؤيتي لجدوى إدراجه آنذاك، حيث أن بداية النقاش لم تكن متفقا عليها، وكان كلامي نقدا لحجتك وموقفك وهذا ما لم يستدعِ مني تبني موقف، لكن الآن وبما أن الموضوع امتد، فللأمانة لم أفكر حقا في أخد طرف معين إذ بحثت في الموضوع بفضول أولي - طبعا ليس خاليا من أحكام مسبقة -، ولكنني حرصت أن أمر بين البحوث بمرونة.
لذا هنا لن أحدد موقفي، ولكنني سأحدد ما ليس موقفي، حتى لا يضيع النقاش في العشوائية.
إطلعت على نظرية سينسوري إكسبلويتيشن ولكنني لم أتبنها بل ولم أدرجها في مراجعي لعدم اقتناعي بها، وكما قلت سابقا فقد تبنيت المنطق، ورحت أتنقل بين حججك دون موقف —علمي—سابق، فحججي لم تأت بانفعال مضاد يود أن ينقض ما تقول دون قضية، وإنما ولعدم اقتناعي بكلامك انتقدته وبحثت لأجد أن لا بحوث تدعم بشكل قطعي بعض استنتاجاتك. أي ولأكون شفافة فلم آت من زاوية نظرة مضادة لك بشكل مطلق، بل لو أقنعني كلامك لاتفقت معه، لكنني لم أقتنع ولهذا ناقشت.
أنا لا أرى الموسيقى دخيلة، فقد أشرت في كلامي بوضوح إلى أنها مبنية على أمور طبيعية، الإيقاع، النغم، التكرار... وهذا ما ينفي غربتها التامة عن الجسد.
ما قلته أنا هو أن قيامها على أساس طبيعي لا يجعلها فطرية بحد ذاتها، بل هي "هي استغلال بارع لما هو مزروع أصلًا".
وما نفيته هو انتقالك الخاطف إلى النتيجة التي لا تدعمها حجتك ( وسأفصل في هذه النقطة هنا).
وهنا يمكنني أن أقطع حجتك بمكر، وأقول أنك قولتني ما لم أقل ووضعت كلامي في حجرة لم أعلن يوما أو أشر لانتسابي لها، وأن مقالك هذا لم يكن مبنيا على ما قُلتُه في معظمه وإنما على ما استنتجتَه أنت، وأنك تبني حجة وتنقضها وتقع في مغالطة رجل القش.
لكن وخضوعا لكلامك المعسول، وللموضوع المثير للتفكير الذي أثرته (بصراحة استمتعت بالبحث، فلم يكن لدي علم بسيرورة الأمور الدقيقة)، فسأرافقك بكل إرادتي في المسار الذي فرضتَه (تذكر، لم أنساق، وإنما اخترتُ):
لا ترابط الدراسة: القفز لاستنتاجات عامة لا تستند إلى الحجة الخاصة التي انطلقتَ منها
لنبدأ أولا بتفكيك فحوى الدراسة التي أدرجتَها،:
أولا، دراستك لا تنقض حججي بل تعقب على جزء أقر بعدم اطلاعي عليه سابقا، فأنا قلت أن لا مستقبلات موسيقية خاصة بل هي مستقبلات للصوت، وهناك فرق بين مستقبل ومسار قشري في الدماغ، فالدماغ له بنية تطورية تكيفية، فلا يجب أن يكون الأمر فطريا حتى يطور طرقا لمعالجته. وأنا لم أربط معالجة الموسيقى حصريا مع الكلام وهذا اختزال غير مبرر لكلامي بل ربطتها بالصوت، حيث قلت أنه من المنطقي أن تعالَج الموسيقى فهي صوت، والمستقبلات صوتية لا موسيقية بشكل فطري.
وقد قلتُ بالحرف: "وبهذا، لا بحثَ يصب في فائدة أن الجسم موجه لاستقبال أو التفاعل مع الموسيقى بحد مخصوص، وإنما مع الصوت، والموسيقى مدرجة في الفئة الصوتية."
"التقيت بعدة ابحاث تدرس هذه الاحتمالية لكن آخر ما تم التوصل إليه هو أنه لا توجد مناطق دماغية مخصصة حصريًا للموسيقى بالذات كما هو الحال مع بعض الحواس الأساسية، بل تعتمد معالجتها على شبكات مشتركة مع الأصوات العامة والكلام، مع تفعيل أكبر لمسارات فرعية معينة"
وحين قلت أن لا مناطق خاصة بها كبعض الحواس الأساسية، فعنيت أنها لا تعالج كالسمع واللمس وهذا نفيا لوجود مستقبلات تخصها.
في حين أنني قلت لاحقا أنها تفعل بشكل أكبر مسارات فرعية معينة، وهذا ما تثبته دراستك، أي لا وجود لما يسمى بمنطقة فطرية خاصة. فالموسيقى تستفيد من شبكة أوسع، وبعض مكوناتها يمكن ألا تتقاطع مع وظائف الكلام مباشرة في تلك اللحظة، ولكن هذا لا يعني أن تلك المنطقة خلقت للموسيقى فقط.
ولذا لنضع الأمور في سياقها دون استنتاجات متسرعة.
ما توصلت إليه الدراسة، أي أن نتائجها الحتمية هي:
وجود مسارات قشرية منفصلة وواضحة في القشرة السمعية البشرية لمعالجة الكلام والموسيقى، خاصة خارج المناطق الأولية (PAC). مما يشير إلى معالجة فئوية متخصصة.
أي بهذا القدر، لكن ما كان استنتاجك؟
" ماذا يعني هذا بلغة المنطق؟ لو كانت الموسيقى مجرد تطفل أو استغلال لمراكز اللغة كما تقول نظرية الاستغلال الحسي، لكانت هذه الخلايا قد استجابت للكلام أيضاً باعتباره الوظيفة الأصلية، لكن وجود عتاد عصبي هاردوير مخصص لا يعمل إلا مع الموسيقى ينسف فكرة أنها ضيف ثقيل ينام في غرفة اللغة. الدماغ يا صديقتي خصص للموسيقى غرفتها الخاصة في قصر العقل، وهذا دليل مادي قاطع على أصالتها في التكوين البشري."
استنتاجك غير مترابط مع التجربة أبدا بل وخاطئ ولا يخضع للغة المنطق. سأشرحه وأشرح لك كيف، ثم أشرح نتائج التجربة والتي لا تسقط حججي بل تفتح بابا آخرعليها.
أولا: "لو كانت الموسيقى مجرد تطفل أو استغلال لمراكز اللغة كما تقول نظرية الاستغلال الحسي"
أحسنت، كما تقول نظرية الاستغلال الحسي ليس كما أقول أنا وهنا أنت بنيت حجة ثالثة ورددت عليها ليس حجتي.
إضافة إلى أنني قلت أنها تستغل مراكز اللغة ولكن ليس اللغة وحدها بل مراكز أخرى أيضا، وبهذا أنت لم تنقضني حتى الآن.
ثانيا:" لكانت هذه الخلايا قد استجابت للكلام أيضاً باعتباره الوظيفة الأصلية"
ليس بالضرورة، فأثناء إصدار أصوات بشرية غير كلامية لا تنشط منطقة الكلام دائما بشكل كبير بينما تنشط في أحيان أخرى.
وذات الشيء بالنسبة للموسيقى حيث احيانا تنشط ردا عليها مناطق معالجة الكلام، وهذا لتداخل وتوسع شبكة معالجتها.
وما تقوله الدراسة ليس أن الاستجابة كانت حصرية وقاطعة في منطقة دون أخرى، بل أنها كانت أعلى.
ثالثا: "لكن وجود عتاد عصبي هاردوير مخصص لا يعمل إلا مع الموسيقى ينسف فكرة أنها ضيف ثقيل ينام في غرفة اللغة"
مجددا تدافع عن حجة ثالثة، حيث ما جاء في مقالي كان:
" صحيح أن الأدلة العلمية الحديثة تدعم وجود أساس جيني مرتبط بالموسيقى، لكن ليس بمعنى “جين يحدد الموسيقى” بل كـ شبكة معقدة من العوامل الوراثية التي تساهم في جوانب مختلفة من القدرة الموسيقية (الإدراك، الإيقاع، الاستمتاع)، وتتفاعل مع البيئة والتجربة والتعلم.
الموسيقى ليست زرعًا غريبًا في الإنسان، لكنها أيضًا ليست ضرورة بيولوجية ولا فطرة حتمية.
هي استغلال بارع لما هو مزروع أصلًا."
رابعا (مربط الفرس): "الدماغ يا صديقتي خصص للموسيقى غرفتها الخاصة في قصر العقل، وهذا دليل مادي قاطع على أصالتها في التكوين البشري"
مجددا مع الاستنتاجات المتسرعة وعلى هذا لنغوص في الدماغ أولا:
هناك في علم الأعصاب مفهومان أساسيان لفهم كيف يعمل الدماغ قبل التحفيز وأثناءه:
النشاط القاعدي: Baseline activity
وهو النشاط العصبي المستمر في الدماغ في غياب أي منبه أو مهمة محددة.
بمعنى أن الدماغ لا يكون صامتا أبدا، أي أن أي استجابة لمنبه خارجي تننى فوق هذا النشاط القاعدي لا من الصفر.
الانتقائية التفضيلية: preferential selectivity
هي ميل خلية عصبية أو منطقة دماغية إلى الاستجابة بقوة أكبر لنوع معين من المنبهات مقارنة بغيره، ومع ذلك فالانتقائية ليست مطلقة، بل نسبية ومتدرجة. وتظهر في:
استجابة مناطق سمعية لأصوات موسيقية أكثر من الضجيج، مناطق لغوية تستجيب أكثر للكلام من الأصوات الغير لغوية، خلايا بصرية تفضل اتجاها معينا للحركة والزوايا.
وهنا نقطة مهمة جدا وهي أن: التفضيل لا يعني الحصرية، فالمنطقة قد تستجيب لعدة منبهات لكنها تفضل بعضها إحصائيا.
والتخصص يظهر في الفروق النسبية لا الصمت المطلق.
ما علاقة هذا بالموسيقى؟
كون هناك مناطق تستجيب بشدة أكبر للموسيقى دون الكلام لا يعني هذا أن تلك المناطق خلقت للموسيقى، فلا يوجد ما يسمى بمنطقة واحدة وظيفة واحدة، ويظهر هذا حين تتضرر بعض مناطق المخ فلا تختفي الوظائف التي كانت تسجَّل فيها، بل يتم تأديتها من مناطق أخرى. وبهذا، فكون هناك منطقة تستجيب بشكل كبير للموسيقى لا يعني أنها موسيقية بحتة، بل أن الموسيقى كمنبه خارجي تمت معالجتها هناك في المنطقة الموجودة بالفعل والتي تشتغل حتى دون موسيقى لمعالجة أمور أخرى. لذا فتمثيل المعلومات في المخ يكون على مستوى شبكات لا نقاط.
استشهادات من الدراسة نفسها:
وإذا ركزت مع الدراسة فيتكرر استعمال لفظة selective ولم تظهر أبدا لفظة specefic. مثل القول:
" Selectivity for Acoustic Features"
أي الانتقائية للموسيقى.
والباحثون في علم الأعصاب يقولون:
"“selective responses do not imply strict modularity"
بمعنى: "الاستجابات الانتقائية لا تستلزم بالضرورة وحداتٍ صارمةً أو تجزئةً وظيفيةً مغلقة."
إضافة إلى وجود عبارات ك:
"The method revealed both established properties of auditory cortical organization, such as tonotopy"
Implications for the Functional Organization of Auditory Cortex
ركز جيدا،خصائص راسخة في تنظيم القشرة السمعية، فالفصل تنظيمي وظيفي لا أصلي تطوري.
إضافة إلى:
ظلت الأمور التي التي استنتجتَها كأسئلة لم تجب عليها الدراسة.
تشبيهك للموسيقى بالمخدرات أو السكر بأنها تخترق نظام المكافأة دون فائدة هو تشبيه ذكي بلاغياً، لكنه بيولوجياً غير عادل ويفتقد للدقة.
لم أشبهها بالسكر أبدا، ووضعي لها مع المخدرات لم يكن تشبيها بيولوجيا لهما كمادتين، بل كونهما منشطين لدوائر المكافأة واللذة في الدماغ، ولم يكن حتى تشبيها بل قلت أن دوائر المكافأة تتنشَّط ب… وذكرت بينها الموسيقى والمخدرات، وهنا أنت انتقلت من قلب الحجة لتضرب هامشا لم يحضر بهذا المعنى. فما قلتُه كان أن تنشيط هذه الدائرة هو المضر، ولم أتكلم أبدا عن تأثيرهما في إتلاف الدماغ، ولا عن الجانب الخلوي، وهنا كلامي:
" لقد تكلمتَ عن كيفية تنشيط الموسيقى لدوائر المكافأة واللذة في الدماغ التي يتم تنشيطها استجابة لمحفزات كالطعام والجنس، أو حتى العقاقير المسببة للنشوة. لكنك أغلقت الباب بكونها آمنة. لكن ما الذي يجعلها آمنة إن كانت تطلق دورات دوبامينية مشابهة لما يُرى في تجارب المتعة؟ هل لأنها ليست كيميائية؟ هنا أقول أن لا كيميائبة الأمور لا تجعلها آمنة، وقولك أنها طبيعية هو أمر سأرد عليه فيما بعد.
الخلاصة هي أن كون الموسيقى ترتبط بقوةٍ نفسية تُسهل التكرار و«الاعتماد السلوكي» يجعلها ذات ضرر."
ولم أقل يوما أن الموسيقى دون فائدة. بل قلت حرفيا:
" وبهذا، فهي ليست لا إيجابية أو سلبية بحد ذاتها، لكنها يمكن أن تكون كذلك وفق السياق، النوع والشخص. لذا نحن لا ندرس جنة وإنما مادة."
لذا فهذه حجة على أمر لم أقله ولم يحضر في مقالي، وأظن حجتي في المقال الأول كافية ووافية وأنت لم تسقط شيئا من الحجة الرئيسية وإنما بنيتَ شيئا بنفسك وأسقطتَه.
الحلقة المفقودة.. لماذا لم ننقرض؟
بصراحة وقفت عاجزة أمام السؤال، حتى لساني الثرثار تجمد.
ألم ننقرض بفضل الموسيقى؟
"الإنسان كائن ضعيف فيزيائياً لا نملك مخالب النمور ولا فراء الدببة ولا سرعة الفهود. سلاحنا الوحيد للبقاء كان التماسك الاجتماعي والعمل ككتلة واحدة."
مع كل احتراماتي، ولكن إذا هجم على الانسان البدائي قطيع ذئاب، هل يغني؟ هل يعزف؟
لا شك في أن للموسيقى أثرا في التماسك الاجتماعي وتقريب الثقافات، ولكن هي بلا شك ليست جوهره ولا حاميتنا من الانقراض.
وعن العالم دنبار ذاك، فكما قلت فهي نظرية وتقترح، أي لا وجود لدليل قطعي على ما قاله.
وقولك: "القبائل التي لم تملك هذا الصمغ الموسيقي تفككت وانقرضت لعدم قدرتها على التوحد عاطفياً."
المصدر؟ الانقراض لا يُعزى إلى عامل واحد فقط، صحيح أن الموسيقى تُعد عاملاً مُساعِدًا لكن ضمن شبكة أوسع (اللغة، الطقوس، القرابة، البيئة، غريزة البقاء…)
وقولك أنها غريزية خاطئ، وهنا تعريف الغريزة: وهي نزعة فطرية ثابتة تدفع الكائن الحي إلى سلوكٍ معيّن تلقائيًا، دون حاجة إلى تعلّمٍ سابق، استجابةً لمثيرات محددة، وغايتها حفظ البقاء أو التوازن.
يمكن أن تكون الموسيقى غر لكنها بالتأكير ليست غريزية فلا حاجة لها للبقاء. ووجود الأموسيا هو أكبر دليل. حيث أن:
هناك أشخاص يولدون مع فقدان إحساس بالنغمة، صعوبة إدراك للحن ومع ذلك يعيشون اجتماعيا دون أن ينقرضوا أو تظهر عليهم علامات عدوانية ولغتهم سليمة.
إضافة إلى أن فقرتك هذه هي خروج عن الموضوع، وليست إجابة عن سؤالي: لماذا برمجنا الله عليها؟ والذي قد أجبت عنه سابقا بقولي: "والإجابة على سؤالك قد تكون: لحكمة منه، امتحانا منه لمدى مقاومتنا للمادة، لقوتنا، أو لمدى ثباتنا على أمره بالرغم من أن الدماغ يسيطر علينا، ولإظهار أن الانسان أكبر من المادة ومن تفاعلات كيميائية ترصدها الآلات والمجاهر... لكن كلها تظل احتمالات فالإجابات لدى الإله."
آخر نقطة:
"هذا قفز استنتاجي ساذج لا أقع فيه، وأعرف أنك أذكى من أن تنسبيه لي."
فعليا ضحكت هنا، انت لم تدس السم في العسل، وإنما رميتني في برميل عسل، ربطت على عيني بينما طفقت تطعمني السم.
بصراحة يا إلياس عليك أن تراجع ما كتبتَه وما كتبتُه جيدا، صحيح أنك لم تحرم أو تحلل وقد قلت في مقالي السابق أنك لم تفعل، ولكن هناك ميل واضح وعاطفي منك أثناء كلامك، فتكررعبارات كحكمة الخالق، غريزة لم يخلقها عبثا… بل وكان مقالك الأول أكثر ميلا لهذا الجانب، وبهذا أنت تربط استنتاجاتك الشخصية بحكم إلهي غيبي حتى لو لم تنوِ ذلك من ناحية استنتاجية لمنك مع ذلك تربط.
كما أنه وبالرغم من أخدي للأمور بسلاسة وصدر رحب في مواضع، إلا أنني لم أحب وفي هذا الموضع بالضبط أن يصاغ موقفي في هذه الجملة(وهي جملة لم أظهر انتسابي لها أبدا):
"أنت ترينها، تأثراً بنظرية بينكر القديمة، ثغرة في النظام استغلها الهوى. وأنا أراها تقنية متطورة في النظام، سخرها الله للتواصل، وللترابط، وللتهدئة"
فلفظة ثغرة ليست موفقة أبدا، وإن سألتني شخصيا فأنا أرى كل تكوين في النظام فائق العناية والدقة لدرجة تفوق الاستيعاب البشري بكثير، فحتى في الأمراض، حين أرى دقة الانتقال من الحالة الصحية إلى المرضية، وخصوصية الميكانيزمات، لا أجد نفسي سوى مشدوهة ومنبهرة أمام صنعة الخالق، ولا أجدني سوى متدبرة في كيف أن حتى الخراب يمكن أن يكون منظما بهذه الدقة.
وهنا لا أقول أن الموسيقى خراب، بل فحوى كلامي هي أن لفظة ثغرة هي آخر ما سيتبادر إلى ذهني أمام صنعة محكمة بهذا الشكل من الخالق، بل وأرى أنه حتى في المواضع والحالات التي يطغى فيها الهوى، ليس الهوى هو ما يستغل الصنعة وإنما هو مالذي يتم استغلاله بدقة من طرفها.
تقييمي للنقاش:
ما لا حظته هو أنك تقفز لاستنتاجات عامة لا تستند إلى الحجة الخاصة التي انطلقت منها.
موقفك كان عاطفيا وأدبيا يبالغ في التعميم: الموسيقى أصيلة في التكوين البشري، لها غرفة خاصة بها في العقل البشري.
بينما لا شيء مما قدمتَه يصب لصالح هذه النقاط، فلا يوجد ما يدعى بغرفة خاصة في العقل البشري، كما قد وضحتُ سابقا، ومن الطبيعي أن تعالج الموسيقى في منطقة ما من الدماغ وإلا أين كانت لتعالج؟ في المصانع مثلا؟
إضافة إلى أن قولك أنها أصيلة في التكوين البشري غير دقيق أبدا وقد وضحتُ هذا سابقا حين تناولت جزئية الرضيع وتعريف الموسيقى، وهي الحجة التي لم تناقشها.
فالموسيقى لم تأت قبل ميلاد أول طفل بل بعده، وكما قلتُ سابقا البناء على عناصر طبيعية لا يمنح الناتج صفة الطبيعية أو المشروعية. فحتى الخمر جاء من عنب والقنبلة الذرية من ذرة.
الموسيقى متكونة من إيقاع، نغمة، لحن، هارموني، طابع صوتي… وهذه كلها مكونات موجودة في الطبيعة، وما حدث هو أن الموسيقى جامعة لها.
بالقول أن الموسيقى تعالج في مناطق دون غيرها يعني أنها تحفزها بشكل أكبر، لا أن تلك المناطق حصرية لها وتبقى خاملة دونها.
الموسيقى تحفز مناطق في الدماغ، نعم. ولكن هذا لا يعني أن لها غرفة حصرية هناك.
وهنا سأقابلها بالإباحيات: فالأبحاث تقول أن الإباحيات تحفز مناطق لا تكون محفزة بذات الشدة في غيابها، ولكن هل هذا يعني أن الإباحيات لها غرفة خاصة لها في الدماغ؟ هل هذا يعني أنها خاصة او طبيعية، أو أنها أساسية في التكوين البشري؟
لا اختلاف في أن الموسيقى جميلة مؤثرة، لكن هذا لا يجعلها ما ليست كذلك.
وهناك نقطة أخيرة، رأيت أنه ظهر وكأنني أتبنى الموقف المعاكس لك، أو المحرِّم للموسيقى وهو أمر لم يظهر أبدا في كلامي حيث أنني ناقشت بمنطقي، لا بمعتقداتي، ولن أتبنى أمرا لا يقنع عقلي حتى لو كان يُربِّت على هواي. وبهذا أنا لم أتخد طرفا معاكسا لك ونقضتك، وإنما وقفت في منطقتك، وانتقدت حجتك لأنها لم تقنعني.
وبعد أن تناولت وجهة نظركَ، أظنك ربما تود أن تعرف وجهة نظري، وهي التي لم تُصِب في تحديدها: ليس لدي وجهة نظر عن الأصل الفطري للموسيقى إذ أن هذا عِلم، فمثلا أثناء دراستي للجهاز المناعي هل أنطلق من وجهة نظر أقول فيها أنني أعتقد أنه يعمل هكذا، أم أدرسه لأستنتج وفقا للمطويات المتاحة كيف يعمل؟
وهذا النهج الذي اتبعتُه في النقاش: البحث، تحديد مربط الحجة، واسقاطها على ما قيل، بمعنى أنني لو وجدت كلامك صحيحا وترابطه منطقيا لاتفقت معك. فأنا لست قادمة من الجهة المعاكسة، فقط كنت أستقصي العلم كعلم.
أما عن الدين، فأعتقد أن لا يد للعلم فيه، إذ أن الحاكم هو الإله. وقد وضحتُ في المقال الأول موقفي من ربطك الأصلي للعلم مع الدين.
..
أتمنى أن يكون المقال وافيا لسد ثغرات الفهم، وإن كان لك دفاع مضاد آخر، فأنا في الاستقبال.
دمتَ سالما.
المراجع:
انطلقت من الدراسة نفسها التي انطلقتَ منها ولكن بقراءة أصح:







بسملة.. قرأت ردك كاملا، وبصراحة؟ أحييك على هذا المستوى من البحث والدقة. لقد وضعت يدك على تفاصيل جعلتني أتوقف للتفكير فعلا، لكنك في المقابل فتحت بابا لنقاش أعمق حول معنى البقاء والكمال فاتك الانتباه له. أجهز لك ردا يليق بهذا الطرح الدسم كوني بالقرب، فالنقاش لم ينته بعد
بعيداً عن كل شيء ، احس جاني فضول أعرف ليش تكنّين لأسم " بسمة " كل هذا البُغض !