إلى الوحيد الذي أحببته بصدق... إليك أشتاق.
أمرر إصبعي على الشاشة المتسخة بينما أتنقل بملل في ألبوم الصور، نظرة فضولية أمنحها لكل ما أعزم محوه، فلا شيء فعلا يستحق أن تخلد ذكراه.
أقلب بضجر اللقطات التي تحمل ذكريات حقيقية على عكس ما توقعت، لكن حقيقتها تبدو بعيدة، وكأنني لم أعشها يوما، فهي تبدو بالرغم من تنوعها كتلك الأيام المتشابهة التي تمضي فلا يمكنك التفريق بينها، هل اليوم غد أو أنه البارحة؟ أيام تمر لأن الزمن مرّ، لا لأن قدميك انتقلتا، تعيش فيها لأنه كُتب لجسدك العيش، لا لأنك اخترت ذلك.
أراقب باهتمام تعاقب الوضعيات والألوان، لكن وبالرغم من ملموسية الذكريات، إلا أنه لا شيء عدا تلك الصور الرقمية يشير إلى الحدوث الفعلي لتلك الأحداث، فلا شيء فيها يذر شعورا عميقا، شجيا، ولا حتى إحساسا خافتا ينذر بوجود حياة.
وبينما أتلمس تلك الصور بعناية، قاصدة ألا أمسح عنها الغبار، تباغتني الصور التي كنت أتجنبها منذ زمن، وتأخذني دون إذن مني الى الذكرى التي لطالما خشيت إحياءها:
إليك... أنت الوحيد الذي لم أتمكن من تحمل ثقل غيابه.
أرمي الهاتف جانبا، وأعصف نحو دفتر ملاحظاتي، فنزف الحبر أسهل عندي من نزف الدموع:
« يقولون أن الكتابة شفاء، لكنني كتبت عنك من قبل، فتفاقم الجرح بدل أن يهدأ، وفاض الألم بدل أن يخفت.
ويقولون أيضا أنها مواجهة، وأظن هذه الجزئية أقرب للصواب، فربما لهذا كنت أتجنب الكتابة عنك قدر المستطاع، خوفا من ان ألتقي فيك كل ما لم أكن مستعدة لفراقه، وأن تباغتني تلك العيون التي لم تنبهني يوما بأنك زائل، بأنك ستغادر، وبأننا لن نلتقي ثانية.
كم حاولت نفيك من ذاكرتي، لكنّك منقوش في تفاصيل يومي، تسكن خيالي وواقعي، وتختبئ بين طيّات أيامي رافضًا بعناد حكمي الجائر عليك بالاندثار الكامل.
عزمت في البداية غضبا منك أن ألبس غشاء على عيني كل يوم، غشاء ينفيك من الذاكرة أنت يا من هجرت الوجود بجانبي، فأنظر إلى سريري ولا أراك ممددا هناك، أجلس إلى مكتبي ولا أراك تتبعني، أنام ولا أراك تتسلل إلى حضني، أو تتسرب بمكر بين أوراقي.
أتجول في ذلك البيت اللعين، ولست هناك لترافقني، لست هناك لتشاركني وحدتي، ولست هناك لتذكرني بأنني في الواقع أستطيع... أستطيع أن أحب بنقاء.
كان هذا الغرض الذي وضعت لأجله الغشاء، أردت الانتقام منك، أن أقصيك من مجال رؤيتي، لكنه لم يُجدِ نفعا، وها أنا ذي جالسة في مكان لم تطأه قبلا مع شبحك، وصورتُكَ ما تزال تبسط سلطانها على بصري.
تمسكت بغضب أعلم بطلانه، عسى أن يتمكن الغشاء من فلترة ذكراك، لكنه لم يقوَ على ذلك، فلا غضب ولا عتب في داخلي نحوك، فكل ما لك عندي هو حب وحنين... ولأن المشاعر الأخيرة لا تملك أغشية قادرة على قمعها... غادرت البيت كاملا، لعل ذكراك تقلدني فتغادرني.
تسألني ما الذي تغير حين غادرت؟ لم يتغير الكثير، سوى أنني بدلا من رؤيتك بين زوايا البيت، صرتَ تظهر لي بين زوايا الحلم. تباغتني في الأماكن التي لم تزرها يوما، وعند كل زيارة تحتضن قلبي بقوة حتى تكاد تخنقه، فأركض مسرعة هاربة منك، بحثا عن متنفس، عن نصيب من الهواء، وأهم من هذا أركض خوفا من أن تفضح دموعي الشعور الذي لطالما حاربته… شعور الإش…تيا…
أشتاق إليك...
الكلمة التي لم أتخيل يوما انها ستنضج على لساني، وحتى الدفتر قد هاج الآن بفعل من الرياح، كلاهما يقهقهان من سخافة الموقف، فمن كان ليتخيل أن هكذا كلمة قد تتسرب مني، كلمة لا تليق أبدا مع تعابيري الباردة، ولا نظراتي البعيدة، كلمة لم ألفظها لبشر يوما، وإحساس لم يزر قلبي أبدا بمثل هذا الوضوح والنقاء.
أشتاق؟
لم أظن يومًا أنني سأولّد مشاعر كهذه تجاه كائن حي.
ربما كنت لأقولها لذكريات مضت، لابتسامات ضائعة، لبراءة منطفئة، أو حالات لم تأخد نصيبها من الحياة داخلي... لكن الشوق إليك مختلف، لأنه يدفع قلبي نحو طرق لم يكن يعلم أن بإمكانه أن يطأها.
أن ترغب في شخص لم يعد متاحا...
لا تأخذني الذاكرة إلى موقف مشابه أبدا، إذ لم أكن يوما من المتيمين بالأشخاص، وكل الحب والمشاعر التي استوطنت قلبي يوما كانت في أغلبها موجهة لأشياء.
لطالما حملت كبرياء أعتى من أن يشتاق، من أن يحب مَن قلبُه في ديار أخرى، من أن يتمسك بذكرى شخص مضى.
لكنك الكائن الحي الوحيد الذي أسقطني من عرشي وجعلني أركض بإذلال خلف ذكراه.
أليس قاسيا؟ أليس غريبا؟
أن يغادرك أحدهم في لحظة دون وداع، ان تمر بك اللحظة الاخيرة دون أن تخبرك أنها كذلك، تظنها العرض وإذا بها فصل الختام.
أن تُهجر دون تنبيه، دون سابق إنذار أو تمهيد.
تستيقظ، ولا يزور أجمحَ خيالاتك حتى إحتمال أن ذلك الكائن لن يكون هناك، فتتمم طقوسك اليومية وكأنه أكثر الأيام طبيعية، لكنك في لحظة ما تمد يدك—بكل تلقائية— بحثا عن ذاك الكيان كما تفعل دائما، تلقي نظرك نحو أماكنه المعتادة، لكنك لا تجده، تظنه مختبئا في مكان آخر، تبحث، تبحث، تبحث... لا أثر له.
ترتدي ما وجدته مرميا أمامك وتشرد في الشوارع متحريا أثره، تبحث عنه في زوايا الشوارع المظلمة، في قلب الزحام، بين ملامح الغرباء... لكن لا وجود له.
...
يعصف بك القلق، يراك الناس تهذي بالأمل، تجوب الشوارع والصور معلّقة على قلبك قبل الجدران... تستمر الأيام شاحبة متعاقبة تتشابه ولا تتشابه، ذات الخطوات لكن القلب لم يعد ذاته. ليأتي ذاك اليوم أخيرا، اليوم الذي لا تنتبه لقدومه إلا متى فاتك... اليوم الذي يتبخر فيه الأمل…
ويغادرك دون وداع.
تظن بكل سذاجة انك اعتدت، أن الألم مضى وأن من ذهب قد ذهب بعدما حزم ذكرياته معه.
لكن الذكرى، رغم كل شيء، لا تتبخر..
ولا الأبواب تحكم الإغلاق، فحتى مع معرفتك التامة بانعدام السبل، باحتراق كل الخيوط التي يمكن أن تربطك أو تعيد إليك من اختفى.
إلا أنك مع ذلك لازلت تحلم، لا زلت تأمل.
ولا زلت تقف بكل وقاحة عند عتبة ما هو ضرب من الخيال.»
أغلق الدفتر بعدما حط الصمت ببطء على أفكاري، تطبق غيمة سوداء خانقة على صدري، ليباغتني بعدها القلق، وحين أتحسس انسيابه عبر عروقي، أضغط على جسدي بقوة مانعة إياه من الانتشار.
أبتلع دموعي وضيقي وأحمل نفسي على النظر إلى ما كتبت للمرة الأخيرة.
طيلة الأسطر السابقة كنت أسبح بحذر حول الحقيقة، أغرق فيها تارة وأطفو مبتعدة عنها تارة أخرى.
خوفا؟ لا أعتقد، لكن ربما غربة، فلست أنا من تخرج مني هكذا كلمات.
ومع ذلك، وقبل أن أتمم قراءة ما سلف، أحكم قبضتي على القلم وأعري ما تبقى من شعور، أو على الاقل ما تقدر على ترجمته الكلمات:
« أنا من عشت حياتي على خط رفيع من الشك يفصلني بضبابية عن اليقين، لم أثق يوما بشعور او إحساس، أنا من ترعرعت في كنف حياة غير مستقرة سرقت مني الثبات، أعلنتُ ثورة لا أستقبل فيها إلا الواضح إلا الصريح.
أتيت أنت، وظننتك إياه، ظننتك الثقة والوضوح، لم أدر يومها أنني حين فضت بمشاعري أمامك، ولا حين استقبلتك دون حذر بداخلي... أنه خداع، وأنك ستغرقني في أعمق نقطة للشك واللايقين.
ليظهر ما لم أتوقع يومها أنك أنت لا سواك من سيظهره لي:
فما ظننته ثورة، كان تمردا دون قضية، كان سرابا، كان خداعا... والحقيقة هي أن لا ثورة ستغير الأوضاع، ولا شيء سيمنح روحي اليقين والسلام.
أتساءل أين أنت؟ هل أنت بخير؟
هل أكلت؟ هل غفوت؟ هل أحسست بالراحة لدرجة أنك نمت دون اعتبار للمكان؟ هل المكان الذي أنت فيه آمن؟ ألم يسلبك عاداتك المدللة؟ ألا زلت تبسط نفسك هناك بكل فخر وكأنك مالك المكان؟ ألا زلت ترفض ان تأكل شيئا عدى الغالي والجيد من الطعام؟ ألا زلت تخشى أن تقوم بحمامك لوحدك، وهل هناك من يستيقظ معك في عز الظلام؟ هل هناك من يربت عليك... هل تشعر بالبرد؟ هل هناك من يفرش لك أوراقه ويفضل ألا يدرس على أن يقاطع قيلولتك؟ هل نقص وزنك، ألا زال كل من يحملك يطلق تعليقات عن مدى ثقلك؟
..
..
..
ألا زلت تتنفس؟
..
هذا هو الشك الذي تركتني في أمانته، بين بينين أجلس، بين طرفين أتخبط، لا أملك جثة قاطعة لأتمسك بها، ولا عنوانا محددا أطمئن لوجودك فيه.
دمت سالما... أو رحمك الله.
فلم تمنحني حتى وضوح الختام.»




وأنا أقرأ نصّك،
شعرت أن الفقد لا يوجع فقط لأنه يأخذ شخصًا،
بل لأنه يذكّرنا بأننا حين أحببنا
تركنا جزءًا منّا هناك بهدوء… دون أن ننتبه.
نحن حين نحب،
نتقاسم ذاكرتنا،
ضحكنا،
وحزننا،
وتفاصيل أيّامنا التي لا تعود مفهومة بذات الطريقة بعد الغياب.
وحين يأتي الفراق،
لا يغيب الآخر وحده،
بل تغيب معه تلك الأجزاء الصغيرة منّا.
الفراق — كما مرّ في نصّك —
لا يأتي دفعة واحدة،
بل كتحوّلات تتبدّل في الداخل:
فقدٌ،
ثم تناسٍ،
ثم وحشة،
ثم شوق يتخفّى في أماكن لا نتوقّعها.
ننسى المشاعر فعلًا،
لا لأننا اخترنا ذلك،
بل لأن الأيام تمرّ بها بلطفٍ بطيء،
وهنا نفهم معنى نعمة النسيان
دون أن نطلبها.
ولهذا لا يبدو الفراق نصرًا ولا هزيمة،
بل تجربة نخرج منها أهدأ…
وأعمق.
وأصعب ما فيه
ليس الغياب وحده،
بل أن نواصل الحياة بعده
ونحن نعرف
أننا تغيّرنا.
وهنا يسكن الشوق،
لا كوجعٍ صريح،
بل كظلّ خفيف
يذكّرنا فقط
أننا أحببنا يومًا
يا الهي، هل هو تزامن او رسالة لي او لا اعرف لكن هذه الكلمات جاءت في وقتها لمست فؤادي المجروح، و بالضبط الكلمات الأخيرة لانني اعيش نفس المرحلة الان مع انسان لم يستطيع حتى ان يمنحني وضوح النهاية... ان لله و ان اليه راجعون ادعو دائما الله ان يعظم اجري في اللذي فقدته