لماذا كانت المعرفة خوف "المتدينين" الأكبر؟
ولماذا ينقض الكثير من "العقليين" الدين؟
قبل أن أجيب عنه، لا بد من تشريح السؤال أولا: فمن هم هؤلاء “المتدينون” المقصودون بالكلام؟
هنا أعني المتدينين كما يصفون هم أنفسهم، لا كما هم فعلا. المُتزمِّتون، من يعتبرون أنفسهم خيرة المجتمع، والفئة الناجية بين هذه الجموع الضالة، الفئة الحاملة للحقيقة المطلقة، المتشددون الرافضون للمعرفة.
هذه هي الفئة التي أخصها بالذكر، وليس المتدين الفعلي —إذ أن هذا اللقب صار يعتمد على ترجمة الانسان للدين—.
كما ربما يشير العنوان لكلمة “كانت”، بينما أنا أكتب هنا لأن زمن هذه الظواهر لم يُولِّ بعد، فربما الآن سقط حكم الكنيسة، لكن المتاجرين بالدين لا يزالون ينشرون سمومهم.
ولأننا لن نلعب على العمود الثابت الذي لا جدال فيه مقتدين بخطاهم، فعلينا أولا الإشارة إلى الاختلافات التي ستُحدث فروقا في الإجابة على حسب طبيعتها، كاختلاف الديانة المعنية والفئة والأوضاع السياسية والاجتماعية التي تخص العصر. لكنني أرى أنه وبالرغم من كل الاختلافات التي يمكن أن تُشعِّب الآراء، هناك نقطة تتلاقى عندها الأجوبة وهي ما سأشير إليه هنا.
وعلى هذا سأحدد الخطين العريضين الأوليين الذان سأبني عليهما مقالي؛ حيث أنني أرى أن علينا الفصل في طبيعة المتدين أولا: المتدين كسلطة دينية، وكفرد.
السلطة:
أرى أن رفض هذه الفئة للمعرفة يعود إلى خوف من تعرية نقص المتدين الذي وضع نفسه حارسا وكفيلا لذات الدين، فيرفض التعقل لا لأنه يعارض أو يناقض الدين بل لأنه سيفضح استبداده أو يهدد منصبه.
ففتح باب التفكر الفردي يسمح بدخول من سيضاهونه فكرا، ما يفتح أفقا أخرى للدين غير المطلق الذي يمثله.
بل وإنّ فتح باب التعقل للناس سيجرّده من السلطة التي احتكرها لنفسه كممثل للدين أو حتى للإله ذاته، فإن فكّر الناس، لنقضوه وثاروا عليه وهذا ما سيهدد مقامه الذي يستعمله كطريقة لاخضاع العامة باسم الدين.
الفرد المتدين:
التعصب لا يشمل فقط معتلي المنابر وذوي النفوذ الديني، بل وحتى الأشخاص العاديين، الذين يختصون أنفسهم بطريقة ما كجماعة مستقلة عن العامة و "مصطفاة" والتي تتبع "الحقيقة المطلقة" وبالنسبة لهم حتى طرح الأسئلة د يعد كفرا.
كما أن العامة المتوجهين نحو هذا الاتجاه غالبا ما يدافعون باستماتة عن مذهب، مدرسة، أو شخص معين يتّبعونه بعمى، حتى أنهم ربما يغمضون أعينهم عن قول الإله إذا تعارض مع قول ذاك الانسان الذي يقدسونه.
كما أنه عادة ما يكون هذا التعصب نتاجا للأوضاع المتردية التي يعيشها المرء سواء كأوضاع اجتماعية وسياسية أو حتى فردية وشخصية بحتة، ولملء ذلك الفراغ، ذاك اليأس والحرمان يلجأ الفردإلى اشباع ذاته بهذه المعتقدات واستثمار العاطفة الدينية لملء فراغه الفكري، واقعا بذلك في التطرف.
كما أن رغبة انسانية فيه تدفعه دائما للسعي للانتماء والاتباع—وهذا ما نجده حتى مع المشاهير والفنانين، كيف تتجيش جماعة معينة للدفاع عن شخص لا يعرفون عنه شيئا—، لذا متى وجد الفرد شخصا يكتنز صفات يود هو أن يمتلكها أو يدعي ذلك، يجد نفسه بلا وعي منه يتبعه وكأنه يعوض نقصه به. فيلجأ للبحث عن هوية جماعية تعوّض ضعفه الفردي.
فالفرد المتدين الذي يغلق عقله لا يفعل ذلك دومًا عن خبث أو مصلحة، بل عن خوف وجودي.
فحين يعيش إنسان وسط فوضى، يبحث عن يقين يخلّصه. وحين يقدّم له أحدهم “حقيقة جاهزة” تُريحه من عناء السؤال، يتشبّث بها كما يتشبث الغريق بلوح خشب. من هنا يولد التعصب:
ليس كرهًا للعقل، بل كرهًا لما يهدد هذا اللوح الهش الذي يحفظ توازنه النفسي.
وهذا يفسّر لماذا يتحول أحيانًا الدفاع عن المذهب أو الشيخ أو الجماعة إلى دفاع وجودي أشبه بالدفاع عن النفس.
كما أن رفض التعقل هو رفض للتساوي، فالتعقل يخل من موازين التدرج السلطوي، وبهذا سيكون الجميع سواسية—في القيمة الفردية لا الوزن العقلي—، إضافة إلى أن مرونة الفكر تهدد التصلب الفكري والولاء للخطاب وهذا ما يمكن أن يؤرق البعض، فأنت هنا ترفض أو تشكك في أفكار ومعتقدات بنى عليها الآخر وجوده وكيانه، فيترجم تدخلك كتهديد لوجوده أو محاولة لمحوه، فيمكن أن يلجأ لرفض التعقل في هذا الحالة كثورة يرفض بها الزوال.
وهذا الرفض للتعقل ليس بالضرورة نابعا من شر أو انحراف أو حتى كفر (أحيانا هو كذلك)، بل وإن أساسها هو الفكرة المغلوطة عن ماهية الدين وأبعاده، والانحراف إلى تأليه الأفراد على حساب الدين.
فلو نظرنا للدين ذاته فهو موجه للعامة ومصاغ بشكل مفهوم، وضمن حدود استيعاب العقل البشري العادي وهو خصوصية فردية ففهم أبعاده والتدبر فيه لازم على كل فرد ولا يخص جماعة معينة من الناس ليفهموه نيابة عن الآخرين. لكن تعال أنت وأقنعهم بهذا.
وكوني فردا، أو بالأحرى امرأة من مجتمع اسلامي، ترعرَعَت بين كنف الأحاديث الضعيفة، أقوال الشيوخ وأنصاف الآيات أنا ناقصة العقل—أجد هذا ساخرا—. فسأتطرق أكثر في هذه الناحية كوني على دراية تجريبية بها وليس فقط نظرية.
فكفتاة من أسرة يدعى أنها محافظة، لكن وبعد وصولي لهذا السن واكتسابي بعض الفكر، فسأقول أنها أصولية أكثر من كونها أي شيء آخر.
وعائلتي هي عينة من فكر مجتمعي يتشارك نفس الموقف، فأغلب العادات حتى الدينية منها هي في الواقع ذات جذور ثقافية وتقليدية، أكثر من كونها دينية، بل وإنني تعلمت أن هذا المصطلح يستعمل متى أرادت فئة الإطاحة بأخرى، أو فرد قهر آخر، فتجده يلبس ثياب الفضيلة وينتقد الآخر في محاولة لإلغائه.
في عائلتي لا يوجد ذاك التشدد، كما لا وجود لذاك الانفتاح، كما أن هناك خوفا ضمنيا من التطرف الديني لأسباب تاريخية حيث ارتبطت اللّحيّ بمجازر سلبت الأمان والحياة من الناس.
لكن ومع ذلك فهو نفور من التشدد كمظهر لا كفكر، إذ أنه فكر منتشر في مجتمعي، فقط يلتحف بمظاهر مختلفة.
فهناك أمور حرام ولكن مباحة، ومقصودة، وأفعال غير محرمة ممنوعة باسم الدين، ووجدت أن هذا المنهج ليس حكرا على عائلتي فقط بل وإن مجتمعنا كله يسير على هذه الخطى... معارضون لأن ما هو مطروح يتعارض مع ما آمنوا به وآمن به آباءهم عبر السنين، وأظن الجملة الأخيرة مألوفة جدا... “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (البقرة-170) ”.
سأتوقف هنا إذ أن الآية ابلغ من أي كلام سأقوله.
لذا وإن أمعننا النظر فإن مساعي محاربة العقل من قبل السلطة الدينية عبر التاريخ، لم تكن يوما لصون عرش الإله من الكفر والتجاوزات، بل لصون عروش العباد، الذين اتخدوا الدين تجارة، ومصدر سلطة، وصاروا يستلون من جاه الإله لينسبوه لهم.
فالدين الحقيقي لا يخاف من العقل، لأن الحقيقة لا تخاف من البحث.
ولا أقول أن التعقل سيؤدي إلى فكر سليم أو صحيح بالضرورة، فيجب أن يبنى وفق منهج سليم حتى يؤدي الغرض. وهذا ما يضعنا أمام بعد تفكير آخر:
ماذا عن «العقليّين»؟
قد يُقال في المقابل: ولماذا ينقض بعضُ «العقليّين» الدين؟ ألا يفترض أن يوصلهم عقلهم إلى الدين الصحيح؟
..
وهنا وإن كان اتجاه مقالي هو تحليل للبنى الرافضة للتعقل، لكنني سأقول أن هناك فرق بين الدين كمرجعية وبين الفردية البشرية المنتسِبة أو الرافضة له، فكل شخص وما يقوده: معتقدات توارثها، رغباته، شهواته، عقله... لذا فهذا السؤال ليس دقيقا ليُطرح.
لكن إن كان المعنيون هم العقلييدون الذين جاءوا كموجة مناهِضة للتعصب والتطرف الديني، ما قادهم إلى محاربة الدين ذاته لا السلطة البشرية فقط، فهنا لدي الكثير لأقوله:
أقصد بالعقليّين هنا من يرفعون شعار العقل وهم في الواقع يمارسون عكسه. فحين يكون الرفضُ للدين منطلِقا من نقم وغضب أو من ردّ فعل على التشدّد، لا من بحثٍ موضوعيّ، يتحوّل "العقل" إلى أداة غضبٍ لا أداة فهم.
لقد جاءت هذه الموجة كردّ فعل على الإفراط الديني، لكن الغضب إذا لم يُوجَّه بعقلٍ منضبط سقط في فخّ نقيضه. وهكذا تكرّر الدائرة نفسها: رفضٌ يقوم على الانفعال لا على البرهان. وهذا بالضبط ما حدث—أو بالأحرى يحدث.
كثيرٌ من هؤلاء لا يستندون إلى تفكيرٍ فلسفيّ متين أو معرفة عميقة، بل إلى خطابٍ عاطفيّ يُثير الإعجاب أكثر مما يُنتج فهمًا. فبدل أن يكونوا نقيضًا للتعصّب، صاروا مرآته من الجهة الأخرى.
لذا فهم أقرب لكونهم ظاهرة خطابية تحدث ضجيجا وتثير عواطفا، من حركات أو عقول ذات فكر سليم.
أما عن الذين يحكمون العقل بشكل مطلق فهذا ليس عين الصواب أيضا، حيث أن العقل يخضع لذاتية صاحبه، وبهذا سيوقعه في الخطأ بلا شك، فما يجب توظيفه في العقل هو التفكير المنطقي الاستقصائي، لا فتح كل نوافذ العقل محدودة العلم بعشوائية ودون ضبط.
أنا لا أزعم أن الدين عقلانيٌّ في كل تفاصيله، فثمة في جوهره غيبيات تتجاوز إدراك الإنسان، وتبقى مما استأثر الله بعلمه. لكن دينًا يُخاطب عقلك ويمنحه مساحة للتفكر، هو دينٌ يزرع فيك الأمان والثقة والمصداقية، فتسلِّم له طوعًا في ما يتجاوز فهمك.
غير أن علينا التمييز بدقّة بين الغيب الإلهي الذي يسمو على العقل، وبين ما يصنعه البشر من أوهام يلبسونها ثوب القداسة.




فعلا لطالما يتهمون أي شخص يحاول اعمال عقله أنه ملعون زنديق 🗿
جزاك الله خيرا على هذا المقال الممتاز لقد وضحت الكثير من الافكار التي تجول بخلدي فأخشى السؤال فأوصف بالكفر.