تجربتي الخاصة مع النسوية
مقال عفوي
سأشارك نظرتي عن واحدة من أكثر الأيديولوجيات إثارة للجدل والتي نُصِّبت كممثل رسمي للتعاضدية العالمية للتاء المربوطة دون استشارة جميع المعنيات بالأمر.
دخلتُ هذه الحياة كجزء من منظومة مجتمعية تفوقني حجمًا وعمرًا، ولطالما كنت رافضةً ناقمةً مشككةً في كل شيء. فبين جدران المدرسة كانت تتردد على مسامعي شعارات عن كيف أن الإسلام كرّم المرأة، عبارت مبهجة بديعة ولكنها مخصصة فقط للإنتشاء اللحظي، لأنه وفور خروجي من تلك الجدران كنت أرى المرأة وكل مظاهر عدم التكريم ملتصقةً بها.
كان التناقض صارخًا. أولئك الذين لا تفارق ألسنتهم العبارات الدينية الرنانة والانتقادات الحادة لمن يسمونهم بالفجرة، كانوا في الواقع محتقرين للمرأة بالنظرة والفعل. لم أكن أعرف الكثير آنذاك ولكنني كنت أرى كل شيء:
كنت أرى الطاولة الموزعة كراسيها حسب الطبقية الجنسية، ومع الكراسي كان حق التعبير ايضا يخضع لهذا المعيار. كان الرجال يتكلمون، كل يستمع بتمعن للآخر، يناقشه ويكلمه باهتمام، كان هذا حتى نطقت امرأة، وهنا غلف صمت لحظي الأجواء، ألاحظ الابتسامات الساخرة وهي ترتسم على الوجوه وكأنما سمعوا نكتة سخيفة، لترتفع الأصوات مجددا بعدها… أصوات خشنة، ذكورية خالصة.
كنت أرى امرأةً ورجلًا يعملان خارج المنزل، وحين يعودان من العمل ينام هو لأنه متعب، بينما تقوم هي بما يسمى واجباتها المنزلية. بل وكانت تلك المرأة تطلب مني أن أخفض صوتي لكي لا أزعج الرجل المسكين المتعب، كنت أومئ لها بخنوع بينما كان قلبي ينقبض عند السؤال الذي لم أطرحه عليها يومًا: أَلستِ متعبةً أيضًا؟
كان عقلي يتغذى على هذه التفاصيل الواقعية، فلم أستطع أن أخدعه بالشعارات عن تكريم المرأة وتشريفها.
وهكذا نشأتُ بين كنف الأحاديث الضعيفة، والآيات المقتطعة من سياقها، الانتقائية الدينية، وازدواجية المعايير. ورغم أنني لم أعش في وسط متشدد، إلا انه كان خانقًا بما يكفي.
كان هذا هو الحال، حتى جاء اليوم الموعود، حين حملت الهاتف لأول مرة. كانت الشاشة تتوهج حتى خُيّل إليّ أنني أشم رائحتها، أن عبيرها وصلني، أنها تربت بحنو على كتفي… إنها الحرية.
وهنا تعلقت بذلك الطرف دون مساءلة، كغريق وجد قطعة خشب فتشبث بها بقوة كآخر امل له في النجاة. لكنني وفي قصتي، لم أنجو، فسرعان ما اكتشفت أن ما رأيته كان سراب.
المرأة رائعة. المرأة قوية. المرأة أفضل كائن على وجه الأرض…
كانت تلك الشعارات مرضية لغروري، وبلسمًا للمرأة المكسورة بداخلي. لكن سحرها لم يدم طويلًا. حيث تلتها أسئلة مشككة كثيرة:
لماذا عليّ أن أكون قوية وقاهرة؟
لماذا عليّ أن أفني حياتي لأثبت أنني قادرة؟
ولماذا عليّ أن أبرر وجودي أصلًا؟
لم علي أن أقنع الرجل بأنني افضل منه او أساويه في القيمة لكي يسمح لي بالعيش والمشاركة؟ من هو لأتشبه به وأحاول مواكبته او قهره؟
لم تكن هذه الأسئلة وحدها ما جعلني أفلت النسوية، بل أفلتُّها لأنها بدت لي فكرة غير ثابتة، تتغير باستمرار ويعرّفها كلٌ وفق هواه. كانت تُستعمل في أجندات سياسية، وتخدم مصالح لا أؤمن بها، والأهم من ذلك أنها كسرت السبب الذي جعلني أتمسك بها أصلًا: العدل.
لم أرَ العدل في نساء يُغتصبن لسنوات، ولا في أخريات يُقتلن بلا شفقة وقد حُكم عليهن بالموت منذ لحظة الولادة. فحينها أدركت أن الحرية التي يُحتفى بها غالبًا ما تكون حرية المؤتمرات والبذلات الرسمية والاجتماعات الاستعراضية… وهي حرية لا تخدمني فهي لا تدافع عن استمرار الحياة.
لا أنكر أن النسوية كانت ضرورة في محطة تاريخية معينة، قبل أن يعاد تشكيلها مرات عديدة. لكن في صورتها الحديثة بدت لي متشعبة بلا ضابط. فكلما قلت أنني نسوية وجب عليّ أن أشرح مطولًا: أي نسوية أعني؟ تلك التي تحترم الأفراد ولا تخدم الرأسمالية، ولا تعمل مع النظام، وليست راديكالية ولا ماركسية…
وهنا سقطت النسوية بالنسبة لي: حين لم تعد تُختصر في كلمة، بل صارت تحتاج فقرات لتبريرها.
لكن ماذا بعد النسوية؟
هل أصبحت الآن ضدها؟
في الواقع، لا. فكل ما فعلته هو أنني أعلنت عدم انتسابي إليها، دون ان اعاديها جملة، بل ربما سأخالفها تفصيلا. فضّلت بدلًا من التشبث بها أن أتمسك بإنسانيتي، وأعيش كامرأة بدل السعي الدائم لإثبات أنني "امرأة".
ولم يشمل هذا القرار النسوية وحدها، بل كل التيارات. قررت ألا أنتمي، بل أن أكون. اخترت الطريق الأصعب: طريق الاختيار. أن أفكر بنفسي، وأن أختار مبادئي وقضاياي، وأن أتحمل مسؤولية ذلك دون جيش فكري أختبئ خلفه.
وبمغادرتي طاولة النسوية، هذا لا يعني أنني أعارضها. بل إن ابتعادي عنها ينبع من قناعة أوسع: الحذر من الانتماء إلى أي أيديولوجيا يتغير معناها باستمرار ويمكن التلاعب بلغتها بسهولة.
أنا لا أثق في الأطر الثنائية الصارمة: النسوية مقابل الذكورية، والرأسمالية في مقابل الاشتراكية… فمثل هذه التقابلات تميل إلى حصر الأفراد داخل حدود فكرية صاغها غيرهم، وكأن هذه هي الخيارات الوحيدة المتاحة.
ولهذا اخترت أن أقف وراء منظومة مبادئي الخاصة، مع إبقاء كل فكرة قابلة للنقد والمساءلة. قد أتفق مع طرح داخل النسوية حين ينسجم مع قيمي، لكن الاتفاق مع فكرة لا يعني الولاء لأيديولوجيا.
ومن هنا اعتزمت ألا أعرّف نفسي بوصفـي نسوية، ولا تابعة لأي مذهب بعينه. بل إنني مجرد إنسانة تحاول أن تهتدي بالمبادئ لا بالرايات والانتماءات.
إخترت أن أكون قبل أن أنتمي، وأن أعيش ذاتي بدلا من أن أصيرها عبر تعريفات غيري لها.
وبقولي أنني أتبع مبادئي الخاصة، لا أعني هذا كما عناه ترامب، بل أعني أنني أستعرض أمامي جميع المنظومات القيمية والأخلاقية التي شيّدتها الأيديولوجيات والمجتمعات والأفراد، وأحاول استقصاءها وفلترتها بعين نقدية، وأن أحاول قدر استطاعتي اختيار الأصح منها.
أمّا الأساس الراسخ الذي لا غنى لي عنه فهو أنا الصغيرة، فطرتي الأولى؛ تلك الفتاة التي لم تعرف لا دينًا ولا أيديولوجيا، لكن قلبها انقبض ودموعها انسكبت بغزارة، بل ولم تنم ليلةً كاملة لأنها شهدت ضرب امرأة.
هي الطفلة الصغيرة التي أبصرت ما قيل لها أنه الحياة وأنه النظام، فرأته انحرافًا وجب تصحيحه، لا منهجًا عليها أن تعيش وفقه.
هي تلك الفتاة التي رفض قلبها ما رأته قبل أن يعي عقلها شيئًا.
وفي النهاية، لست متأكدة من أنني على حق. لكن من كان متأكدًا يومًا؟
ألم نُخلق لنجرب ونخطئ ونبحث عن الحقيقة؟
ما اردت إيصاله بنشري لتجربتي هو انه لا يهم أن تكون على حق بقدر ما يهم أن يكون هدفك هو الحق.
ولا تهم مثالية خياراتك بقدر ما يهم صدقك في اختيارها.
فحتى لو كنت على ضلالة، ما يهم ألا تكون قد اخترت طريقك بمكر أو رغبة في التضليل، بل لأنك اعتقدت — بصدق — أنه الطريق الأقرب إلى الحقيقة.




المشكلة الحقيقية في 'النسوية' -بصورتها اللي بنشوفها- إنها قامت بالأساس على مبدأ 'المساواة المطلقة'، وفي رأيي هذا هو المطب الأول. المساواة ككلمة تبدو براقة، لكنها في الواقع ممكن تكون غير منصفة أبداً لا للمرأة ولا للرجل؛ لأنها ببساطة بتحاول 'تنميط' الطرفين في قالب واحد وكأنهم نسخة مكررة من بعض، وهذا ضد الطبيعة والواقع.
الشيء اللي بنفتقده فعلياً هو 'العدل' مش المساواة. العدل يعني إننا نعطي كل طرف حقه بناءً على دوره، احتياجاته، وطبيعته، من غير ما نضطر نلغي خصوصية أي طرف عشان 'يساوي' الطرف الثاني. فكرة إن المرأة لازم تثبت إنها (مثل الرجل) عشان تحصل على حقوقها، هي بحد ذاتها إهانة لقيمتها المستقلة كمرأة.
أنا أشوف إن الصراع الفكري هذا كله بيفقد بوصلته لما نتمسك بكلمة 'مساواة' وننسى 'العدل'. الندية ومحاولة كسر الأدوار الفطرية ما خدمت المجتمع، بل زادت من الفجوة. الحل مش بتبني شعارات وأيديولوجيات مستوردة بتغير مفاهيمها كل يوم، الحل بالرجوع لمنظومة قيمية بتعطي كل ذي حق حقه بإنصاف حقيقي، بعيداً عن لغة الأرقام والمقارنات العقيمة.
هذا مجرد رأي من زاوية ثانية، وشكراً
لو الناس بترجع لدينها و تعمل بيه مكنش هيبقى في نسوية